تُعدّ المدرسة الإنسانية واحدة من أبرز الاتجاهات الفكرية التي غيّرت مسار علم النفس في القرن العشرين.
فبعد أن ساد الفكر التحليلي الفرويدي الذي ركّز على اللاوعي والدوافع الغريزية، وسيطر المنهج السلوكي الذي حصر دراسة الإنسان في السلوك الظاهر، جاءت المدرسة الإنسانية لتُعيد الاعتبار إلى القيمة الجوهرية للإنسان، باعتباره كائنًا واعيًا، حرّ الإرادة، يسعى للنمو وتحقيق ذاته.
تُعرف المدرسة الإنسانية بأنها “علم النفس الذي يهتم بدراسة الإنسان ككل، في أبعاده العقلية والعاطفية والاجتماعية والروحية”، إذ ترى أن كل إنسان يمتلك قدرات كامنة قابلة للنمو متى ما توفرت له البيئة الداعمة والاحترام المتبادل.
لقد مثّل ظهور هذا الاتجاه ما يُعرف بـ الثورة الثالثة في علم النفس بعد التحليلية والسلوكية، إذ فتح الباب أمام دراسة الإنسان من منظور إيجابي شامل يركّز على القوة بدلاً من الضعف، وعلى الأمل بدلاً من المرض.
ما المقصود بالمدرسة الإنسانية؟
المدرسة الإنسانية هي تيار نفسي وفلسفي ينظر إلى الإنسان على أنه كائن فريد يمتلك القدرة على الاختيار وتحقيق ذاته.
تُعارض هذه المدرسة النظرة الميكانيكية للإنسان التي تبنّتها السلوكية، كما تختلف عن التشاؤمية الفرويدية التي ترى أن السلوك الإنساني تحركه صراعات اللاوعي.
الإنسان في الفكر الإنساني ليس مجرد نتاج للظروف أو الغرائز، بل هو كائن حر ومسؤول عن تشكيل مصيره من خلال قراراته وتجربته الشخصية.
السياق التاريخي لظهورها كردّ على التحليلية والسلوكية
ظهرت المدرسة الإنسانية في الخمسينيات من القرن العشرين في الولايات المتحدة، في وقتٍ كان فيه علم النفس محصورًا بين مدرستين:
-
التحليلية: ركزت على اللاوعي والدوافع الغريزية.
-
السلوكية: ركزت على السلوك القابل للملاحظة فقط.
لكن كلا المدرستين — في نظر الإنسانيين — تجاهلتا جوهر الإنسان وقدرته على التغيير الواعي.
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى مدرسة جديدة تُعيد التركيز على الخبرة الذاتية والمعنى الإنساني.
دورها في إعادة الاعتبار للذات الإنسانية
أعادت المدرسة الإنسانية تعريف علم النفس بوصفه علمًا يهدف إلى فهم الإنسان وتحقيق سعادته ونموه الشخصي.
فهي لا ترى الإنسان كمريض يحتاج إلى إصلاح، بل كشخص يسعى إلى التطور والتوازن والانسجام بين ذاته ومجتمعه.
من هذا المنطلق، أصبحت المدرسة الإنسانية الأساس الفلسفي للعلاج النفسي الإيجابي، والتعليم الحديث، وحركات التنمية البشرية.
نشأة المدرسة الإنسانية وتطورها التاريخي
في أعقاب الحربين العالميتين، شهد العالم أزمة إنسانية عميقة تمثلت في فقدان الإيمان بالإنسان بعد الدمار والمعاناة.
في هذا السياق، ظهرت المدرسة الإنسانية كحركة فكرية تسعى إلى إعادة الأمل والإيمان بقدرة الإنسان على الخير والنمو والإبداع.
وقد تأثرت بالفكر الفلسفي الأوروبي، خاصة الوجودية والفينومينولوجيا (الظاهراتية) التي تؤكد على التجربة الذاتية والمعنى الشخصي للحياة.
تأثير الفلسفة الإنسانية والوجودية
استلهمت المدرسة الإنسانية أفكارها من الفلسفة الإنسانية التي ترى أن الإنسان غاية في ذاته وليس وسيلة لأي غرض آخر، وأن له كرامة متأصلة لا يمكن المساس بها.
أما من الفلسفة الوجودية، فقد أخذت فكرة أن الإنسان مسؤول عن اختياراته وحياته، وأنه يملك الحرية لتشكيل ذاته من خلال تجاربه.
وبذلك، جمعت المدرسة الإنسانية بين الفكر الفلسفي والتطبيق العلمي في علم النفس.
أبرز العلماء الذين أسهموا في تأسيسها
تأسست المدرسة الإنسانية رسميًا في الولايات المتحدة بجهود عدد من العلماء الذين عُرفوا باسم “الجيل الثالث من علماء النفس”، أبرزهم:
-
أبراهام ماسلو (Abraham Maslow): مؤسس نظرية هرم الحاجات الإنسانية.
-
كارل روجرز (Carl Rogers): مبتكر العلاج المتمركز حول العميل.
-
رولو ماي (Rollo May): الذي أدخل الفلسفة الوجودية إلى علم النفس الإنساني.
وفي عام 1961، تأسست مجلة Journal of Humanistic Psychology التي أصبحت المنبر العلمي الرسمي لهذا الاتجاه الجديد.
المبادئ الأساسية للمدرسة الإنسانية
المدرسة الإنسانية ليست مجرد نظرية علاجية، بل هي فلسفة متكاملة عن الإنسان.
تقوم على عدد من المبادئ التي تُميزها عن غيرها من المدارس الفكرية في علم النفس:
الإنسان ككائن حر يمتلك الإرادة والاختيار
تؤمن المدرسة الإنسانية بأن الإنسان يمتلك الحرية والمسؤولية عن قراراته وسلوكه.
فهو ليس أسير ماضيه أو بيئته، بل يستطيع أن يختار طريقه في الحياة من خلال الوعي الذاتي والنمو المستمر.
هذه الفكرة شكّلت الأساس لمفهوم “المسؤولية الشخصية” في العلاج النفسي الحديث.
التركيز على تحقيق الذات والنمو الشخصي
يرى علماء النفس الإنساني أن الهدف الأسمى للإنسان هو تحقيق ذاته (Self-Actualization) — أي الوصول إلى أقصى إمكاناته النفسية والعقلية.
فكل إنسان يحمل بداخله دافعًا فطريًا نحو التطور، والنضج، والإبداع، متى ما توفرت له بيئة مشجعة خالية من النقد والرفض.
هذه الفكرة جعلت المدرسة الإنسانية محورًا أساسيًا في برامج التنمية البشرية والتدريب على المهارات الذاتية.
النظرة الإيجابية للطبيعة الإنسانية
تخالف المدرسة الإنسانية النظرة التشاؤمية التي ترى الإنسان كائنًا أنانيًا تحركه الغرائز، إذ تعتبره كائنًا خيرًا بطبعه، يسعى للانسجام مع ذاته ومع الآخرين.
ومن هنا، نشأت فكرة “القبول غير المشروط” التي ركّز عليها روجرز في العلاج النفسي، أي تقبّل الإنسان كما هو دون أحكام مسبقة.









