books

المدرسة المعرفية في علم النفس

13 يناير 2026
عدد المشاهدات (103 مشاهدة)
المدرسة المعرفية في علم النفس

تُعد المدرسة المعرفية من أبرز الاتجاهات الحديثة في علم النفس، وقد غيّرت بشكل جذري الطريقة التي نفهم بها العقل البشري والسلوك الإنساني.
فبعد أن سيطرت المدرسة السلوكية لعقود طويلة على البحث النفسي من خلال تركيزها على السلوك الظاهر فقط، جاءت المدرسة المعرفية لتعيد الاهتمام إلى ما يجري داخل العقل من عمليات تفكير وإدراك وتذكر وتعلم.

تهدف المدرسة المعرفية إلى دراسة العمليات العقلية الداخلية بوصفها الأساس في توجيه السلوك الإنساني. فهي تنظر إلى الإنسان باعتباره كائنًا نشطًا يعالج المعلومات ويفسرها، لا مجرد مستجيب سلبي للمثيرات الخارجية.
لقد مثّل ظهور هذا الاتجاه ما يُعرف بـ “الثورة المعرفية”، التي ساهمت في تحويل علم النفس إلى علم أكثر عمقًا وتكاملًا يجمع بين السلوك والعقل والتكنولوجيا.


 المدرسة المعرفية في علم النفس

المدرسة المعرفية هي اتجاه في علم النفس يركز على دراسة العمليات العقلية التي تحدث داخل الإنسان مثل الإدراك، والانتباه، والذاكرة، وحل المشكلات، واللغة، والتفكير.
فبدلًا من الاكتفاء بملاحظة السلوك كما تفعل المدرسة السلوكية، تهتم المدرسة المعرفية بفهم الأسباب الذهنية التي تقف خلف هذا السلوك.

إنها تنظر إلى العقل البشري كنظام ديناميكي يقوم بمعالجة المعلومات من البيئة وتحليلها وتخزينها واسترجاعها، مما يجعلها أشبه بنظام معالجة بيانات متطور.

أسباب ظهور المدرسة المعرفية كرد فعل على السلوكية

خلال النصف الأول من القرن العشرين، سادت المدرسة السلوكية التي اعتبرت أن السلوك هو النتيجة المباشرة للمثيرات الخارجية.
لكن مع مرور الوقت، بدأ العلماء يلاحظون أن هذا التفسير غير كافٍ لفهم السلوك الإنساني المعقد.
فكيف يمكن تفسير التفكير، أو الإبداع، أو اتخاذ القرار، أو الفهم اللغوي؟
هذه الظواهر لا يمكن دراستها فقط من خلال المثير والاستجابة، بل تتطلب دراسة ما يجري داخل العقل.
وهنا ظهرت المدرسة المعرفية لتملأ هذا الفراغ.

أهمية دراسة العمليات العقلية الداخلية

تُعد العمليات المعرفية بمثابة الوسيط بين المثير والسلوك.
فالعقل لا يستجيب للمؤثرات الخارجية بشكل مباشر، بل يقوم أولًا بتفسيرها وفهمها وفقًا لتجاربه السابقة ومعتقداته.
لذلك، فإن فهم السلوك الإنساني لا يكتمل دون فهم ما يدور في الذهن من عمليات إدراك وانتباه وتفكير وذاكرة.
ومن هنا، أصبحت المدرسة المعرفية الأساس الذي يقوم عليه معظم أبحاث علم النفس الحديث والتربوي.


نشأة المدرسة المعرفية وتطورها التاريخي

رغم أن ظهور المدرسة المعرفية كان في منتصف القرن العشرين، إلا أن جذورها تمتد إلى البدايات الأولى لعلم النفس.
فقد كان فيلهلم فونت ووليام جيمس من أوائل من اهتموا بدراسة الوعي والعمليات العقلية.
لكن مع صعود المدرسة السلوكية في أوائل القرن العشرين، تراجع الاهتمام بدراسة الوعي لصعوبة قياسه علميًا.

الثورة المعرفية في خمسينيات القرن العشرين

في خمسينيات القرن الماضي، شهد علم النفس ما يُعرف بـ “الثورة المعرفية”، التي مثّلت تحولًا كبيرًا في دراسة الإنسان.
قاد هذه الثورة عدد من العلماء في مجالات متعددة — علم النفس، واللغويات، وعلوم الحاسوب، وعلم الأعصاب — حيث بدأوا ينظرون إلى العقل كنظام لمعالجة المعلومات.
كان ظهور الحاسوب الإلكتروني في تلك الفترة نقطة تحول مهمة، إذ استخدمه الباحثون كنموذج لفهم كيفية عمل الدماغ البشري في إدخال المعلومات ومعالجتها وإخراجها.

مساهمة العلماء والباحثين الأوائل

من بين العلماء الذين ساهموا في تأسيس المدرسة المعرفية:

  • جورج ميلر (George Miller): أحد أوائل من درسوا الذاكرة قصيرة المدى.

  • أولريك نيسر (Ulric Neisser): الذي أصدر كتابه الشهير علم النفس المعرفي عام 1967، واعتُبر المؤسس الرسمي للمدرسة المعرفية.

  • جيروم برونر (Jerome Bruner): ركّز على أهمية الاستراتيجيات الذهنية في التعلم.

  • جان بياجيه (Jean Piaget): وضع نظرية التطور المعرفي التي شرحت كيف ينمو التفكير لدى الأطفال.

تلك الجهود مجتمعة شكّلت الإطار النظري الذي انطلقت منه المدرسة المعرفية، وجعلت منها حجر الأساس لعلم النفس الحديث.


المبادئ الأساسية للمدرسة المعرفية

الإنسان كمعالج للمعلومات

ترى المدرسة المعرفية أن الإنسان ليس كائنًا سلبيًا يستجيب للمؤثرات الخارجية، بل هو نظام نشط لمعالجة المعلومات.
فالعقل يقوم باستقبال المعلومات من البيئة، ثم معالجتها وتنظيمها وتخزينها في الذاكرة، ليسترجعها لاحقًا عند الحاجة.
هذا النموذج جعل العقل البشري يُشبَّه بالحاسوب الذي يقوم بعمليات الإدخال والمعالجة والإخراج.

الإدراك والانتباه والذاكرة كأسس للسلوك

تُعتبر هذه العمليات الثلاث هي الركائز الأساسية للفكر المعرفي:

  • الإدراك: هو الطريقة التي يفسّر بها الإنسان المعلومات الحسية من البيئة.

  • الانتباه: يمثل عملية انتقاء المعلومات المهمة وتجاهل غير المهم.

  • الذاكرة: تُعد مستودع الخبرات والمعارف التي تُوجّه السلوك.

كل سلوك إنساني يعتمد بشكل أساسي على كيفية معالجة الفرد للمعلومات عبر هذه العمليات الثلاث.

دور التفكير وحل المشكلات

تُولي المدرسة المعرفية أهمية كبرى لعملية التفكير بوصفها جوهر النشاط العقلي.
فمن خلال التفكير، يتمكن الإنسان من تحليل المواقف واتخاذ القرارات وحل المشكلات بطرق منطقية.
كما ترى أن التفكير الإبداعي يعتمد على قدرة الفرد على إعادة تنظيم المعلومات المخزّنة في الذاكرة بطرق جديدة ومبتكرة.

وهكذا، فإن المدرسة المعرفية لا تكتفي بملاحظة السلوك، بل تسعى إلى فهم العقل الذي يقف خلفه، وهذا ما جعلها ثورة فكرية حقيقية في علم النفس.


من نحن – دراسة الأفكار للبحث والتطوير


رواد المدرسة المعرفية

تأسست المدرسة المعرفية على أيدي مجموعة من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا الاتجاه الفكري، وأسهموا في تطويره من خلال دراساتهم حول الوعي، التفكير، والتعلم.

جان بياجيه (Jean Piaget) ونظرية التطور المعرفي

يُعتبر بياجيه أحد أعظم العلماء الذين أسهموا في ترسيخ المدرسة المعرفية، إذ قدّم نظرية شاملة في التطور العقلي والمعرفي للأطفال.
رأى بياجيه أن الطفل لا يتلقى المعرفة بشكل سلبي، بل يبنيها بنفسه تدريجيًا من خلال التفاعل مع البيئة.
وقد قسّم مراحل النمو المعرفي إلى أربع مراحل رئيسية:

  1. المرحلة الحسية الحركية (من الولادة إلى سنتين): يتعلم الطفل من خلال الحواس والحركة.

  2. المرحلة ما قبل العمليات (2–7 سنوات): تبدأ اللغة والخيال في التطور.

  3. مرحلة العمليات المادية (7–11 سنة): يبدأ الطفل بفهم المفاهيم المنطقية.

  4. مرحلة العمليات الصورية (من 12 سنة فما فوق): يصبح التفكير تجريديًا ومنطقيًا.

نظرية بياجيه بيّنت أن المعرفة ليست عملية تراكم معلومات فحسب، بل عملية بناء نشط ومستمرة تعتمد على التفاعل مع المحيط.


أولريك نيسر (Ulric Neisser) ومفهوم علم النفس المعرفي

يُعدّ أولريك نيسر الأب المؤسس لمفهوم علم النفس المعرفي الحديث، إذ نشر عام 1967 كتابه الشهير Cognitive Psychology الذي أعاد توجيه علم النفس نحو دراسة العمليات الذهنية الداخلية.
أكّد نيسر على أن السلوك الإنساني لا يمكن فهمه إلا من خلال معرفة كيف يدرك الإنسان المعلومات ويفسرها.
كما اعتبر أن العقل ليس مستقبلًا للمعلومات فقط، بل يختار وينظّم ويُعيد بناءها وفقًا لخبراته السابقة.


جورج ميلر (George A. Miller) ومبدأ “الذاكرة قصيرة المدى”

كان ميلر من أوائل من دمجوا النظريات النفسية بالتكنولوجيا الحديثة، وقد اشتهر بدراسته حول سعة الذاكرة قصيرة المدى، التي وجدت أن الإنسان يمكنه الاحتفاظ بحوالي سبعة عناصر (±2) في ذاكرته القصيرة في وقت واحد.
كما قدّم نموذجًا لعملية معالجة المعلومات، جعل المدرسة المعرفية أكثر قربًا من منهج التفكير العلمي الحديث في الحاسوب والذكاء الاصطناعي.


جيروم برونر (Jerome Bruner) ودوره في التعلم المعرفي

كان برونر من أبرز الذين ركّزوا على دور البنية العقلية في التعلم.
اعتبر أن التعليم الجيد يجب أن يساعد المتعلم على اكتشاف المعرفة بنفسه لا أن يتلقاها جاهزة، وهو ما يُعرف بـ التعلم بالاكتشاف (Discovery Learning).
وقد أثرت أفكاره في تطوير الاستراتيجيات التربوية الحديثة التي تُشجّع التفكير الناقد والإبداع.


أهم نظريات المدرسة المعرفية

تُعتبر المدرسة المعرفية مظلة فكرية تضم العديد من النظريات التي ركزت على فهم كيفية اكتساب الإنسان للمعرفة ومعالجتها. وفيما يلي أبرز هذه النظريات:


نظرية التطور المعرفي (Cognitive Development Theory) – جان بياجيه

تُعدّ هذه النظرية حجر الأساس للفكر المعرفي.
يرى بياجيه أن الطفل يمر بمراحل عقلية محددة، ولكل مرحلة خصائص معرفية مختلفة.
فالذكاء ليس مجرد قدرة فطرية، بل هو عملية تكيف ديناميكية مع البيئة من خلال عمليتين رئيسيتين:

  • التمثيل (Assimilation): إدخال المعلومات الجديدة ضمن البنى العقلية الموجودة.

  • الملاءمة (Accommodation): تعديل البنى العقلية لتتناسب مع المعلومات الجديدة.
    وهكذا ينمو الفكر من التفاعل المستمر بين الإنسان وبيئته.


نظرية معالجة المعلومات (Information Processing Theory)

ظهرت في ستينيات القرن العشرين متأثرة بثورة الحواسيب، وتنظر إلى العقل كـ نظام لمعالجة البيانات.
تمر المعلومات بعدة مراحل:

  1. استقبال المثيرات الحسية.

  2. الانتباه والتركيز عليها.

  3. تخزينها مؤقتًا في الذاكرة قصيرة المدى.

  4. ترميزها وتخزينها في الذاكرة طويلة المدى.

  5. استرجاعها عند الحاجة.

هذه النظرية فسّرت كيفية تعلّم الإنسان وتذكّره للمعلومات، وساهمت في تطوير البرامج التعليمية الإلكترونية الحديثة.


النظرية البنائية (Constructivism)

تُعد امتدادًا لأفكار بياجيه وبرونر، وتؤكد أن المتعلم هو من يبني معرفته بنفسه.
فالعلم لا يُنقل من المعلم إلى الطالب، بل يُكتشف عبر التجريب والتفكير.
تعتمد هذه النظرية على التعلم القائم على المشروعات والمواقف الحياتية، مما يجعلها أساسًا في التعليم الحديث.


النظرية الاجتماعية الثقافية (Sociocultural Theory) – ليف فيغوتسكي

تُبرز دور الثقافة واللغة والتفاعل الاجتماعي في تطور المعرفة.
يؤمن فيغوتسكي أن التعلم يحدث أولًا على المستوى الاجتماعي ثم ينتقل إلى المستوى الفردي، وهو ما يُعرف بـ “منطقة النمو القريب (Zone of Proximal Development)”.
هذه النظرية أثّرت في تصميم المناهج التعليمية التعاونية التي تُركّز على العمل الجماعي والتفاعل الإيجابي بين المتعلمين.


مقارنة بين المدرسة المعرفية والسلوكية

رغم أن كلتا المدرستين تهتم بدراسة التعلم والسلوك، إلا أن بينهما اختلافًا جوهريًا في المنهج والنظرة إلى الإنسان.

المقارنة المدرسة السلوكية المدرسة المعرفية
موضوع الدراسة السلوك الظاهر القابل للملاحظة العمليات العقلية الداخلية (الإدراك، التفكير، الذاكرة)
الإنسان كائن سلبي يستجيب للمثيرات كائن نشط يعالج المعلومات
منهج البحث التجريب والملاحظة النماذج العقلية والمحاكاة الذهنية
التعلم نتيجة الربط بين المثير والاستجابة عملية فهم وبناء معرفة داخلية
الهدف ضبط السلوك والتحكم فيه تنمية التفكير والفهم العميق
التطبيقات التعليم التقليدي، تعديل السلوك التعليم البنائي، العلاج المعرفي

الدمج بين المدرستين في التطبيقات الحديثة

اليوم، لا تُستخدم أي مدرسة بمعزل عن الأخرى، إذ أدى التقدم العلمي إلى دمج السلوكية والمعرفية فيما يُعرف بـ العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، الذي يجمع بين تعديل السلوك وفهم الأفكار التي تقف خلفه.
كما تعتمد المناهج التربوية الحديثة على التحفيز السلوكي مع تنمية التفكير المعرفي في آنٍ واحد، مما يعكس تكامل المدرستين في الممارسة العملية.


يمكن ربطها أيضًا بمقال نظرية الإدارة العلمية لفريدريك تايلور لفهم كيف انتقلت فكرة “الوظيفة” من التنظيم الاجتماعي إلى التنظيم الإداري.


تطبيقات المدرسة المعرفية في التعليم

تُعدّ المدرسة المعرفية من أكثر الاتجاهات تأثيرًا في مجال التعليم الحديث، حيث انتقلت العملية التعليمية من مجرد نقل المعلومات إلى تنمية التفكير والفهم والإبداع.
يركز التعليم في ضوء المدرسة المعرفية على كيفية تعلم الطالب وليس فقط على ما يتعلمه.

أساليب التعلم النشط القائم على الفهم

ترى المدرسة المعرفية أن التعلم الفعّال يتحقق عندما يشارك الطالب في بناء معرفته بنفسه.
ولذلك ظهرت مفاهيم مثل:

  • التعلم بالاكتشاف (Discovery Learning): حيث يشجع المعلم الطلاب على اكتشاف القوانين والمفاهيم بأنفسهم من خلال الملاحظة والتجربة.

  • التعلم القائم على حل المشكلات (Problem-Based Learning): يواجه المتعلم مواقف حقيقية تتطلب منه التفكير والتحليل والتعاون مع الآخرين لإيجاد الحل.

  • التعلم التعاوني: يتيح للطلاب تبادل الأفكار مما يثري الفهم ويعزز التفكير النقدي.

هذه الأساليب تنبع من فكرة أن المتعلم ليس متلقيًا سلبيًا، بل مفكر نشط يسعى لفهم المعنى وراء المعلومات.

تطوير مهارات التفكير الناقد والإبداعي

تركز المدرسة المعرفية على مهارات التفكير العليا مثل التحليل، التقييم، والإبداع، بدلًا من الاقتصار على الحفظ والاسترجاع.
فمن خلال الأنشطة التي تتطلب المقارنة والاستنتاج، يصبح الطالب أكثر قدرة على استخدام المعرفة في مواقف جديدة.
كما أن استراتيجيات التفكير الإبداعي تُنمي لدى المتعلم القدرة على إعادة تنظيم المعلومات بطرق جديدة تؤدي إلى حلول مبتكرة.

دور المعلم في بيئة التعلم المعرفي

في ضوء المدرسة المعرفية، يتغير دور المعلم من “ناقل للمعرفة” إلى موجّه وميسّر للتعلم.
فهو يساعد الطلاب على اكتشاف المفاهيم بأنفسهم، ويطرح الأسئلة التي تُحفّز التفكير، ويُشجع على المناقشة والمشاركة.
كما يستخدم أدوات تكنولوجية حديثة تساعد في محاكاة عمليات التفكير مثل برامج المحاكاة الذهنية وألعاب التعلم الرقمية.

بفضل هذه المبادئ، أصبحت المدرسة المعرفية الأساس في التعليم النشط الحديث الذي يركّز على بناء المعرفة والفهم العميق بدلاً من التلقين.


تطبيقات المدرسة المعرفية في العلاج النفسي

كما أثرت المدرسة المعرفية في التعليم، كان لها أيضًا دور كبير في الثورة العلاجية النفسية الحديثة، إذ أصبحت أساسًا لتطوير العلاج المعرفي والعلاج السلوكي المعرفي (CBT)، وهما من أكثر أساليب العلاج النفسي فعالية اليوم.

العلاج المعرفي (Cognitive Therapy)

أسسه الطبيب النفسي الأمريكي آرون بيك (Aaron Beck) في ستينيات القرن الماضي.
يقوم هذا النوع من العلاج على فكرة أن الأفكار الخاطئة أو غير الواقعية تؤدي إلى مشاعر وسلوكيات غير صحية.
لذلك يهدف العلاج إلى تغيير طريقة التفكير لمساعدة المريض على التعامل مع المواقف الحياتية بطريقة أكثر واقعية وتفاؤلًا.
على سبيل المثال، الشخص الذي يعتقد “أنا فاشل دائمًا” يتعلم عبر العلاج المعرفي أن يُعيد تفسير هذه الفكرة إلى “قد أخطئ أحيانًا، لكن يمكنني النجاح في مواقف أخرى”.

العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive Behavioral Therapy – CBT)

يمثل دمجًا بين المدرسة السلوكية والمعرفية، حيث لا يكتفي بتغيير السلوك، بل يهتم أيضًا بتعديل الأفكار التي تسبب هذا السلوك.
ويُستخدم هذا النوع من العلاج في علاج اضطرابات متعددة مثل:

  • الاكتئاب والقلق.

  • اضطرابات الشخصية.

  • الوسواس القهري.

  • اضطرابات النوم والإدمان.

يُعتبر العلاج السلوكي المعرفي اليوم الأكثر اعتمادًا في العالم، لأنه يدمج بين الفكر والسلوك ويعتمد على جلسات قصيرة وفعالة تُمكّن المريض من اكتساب مهارات التعامل الذاتي مع مشكلاته.

دور الإدراك في تعديل السلوك والمشاعر

تؤكد المدرسة المعرفية أن الإدراك هو المفتاح الأساسي لفهم السلوك الإنساني.
فالأشخاص لا يتأثرون بالأحداث مباشرة، بل بطريقة تفسيرهم لها.
لذلك فإن تعديل الإدراك يؤدي تلقائيًا إلى تعديل السلوك والانفعالات، وهو ما يجعل العلاج المعرفي أداة قوية لتحقيق التوازن النفسي والعقلي.


أثر المدرسة المعرفية في علم النفس الحديث

تُعد المدرسة المعرفية اليوم من الركائز الأساسية لعلم النفس المعاصر، إذ أثرت في عدد كبير من فروعه وتطبيقاته العلمية.

دورها في الذكاء الاصطناعي وعلوم الأعصاب

قدّمت المدرسة المعرفية الأساس النظري الذي انطلقت منه دراسات الذكاء الاصطناعي (AI)، خاصة في مجالات فهم اللغة الطبيعية والتعلم الآلي.
فنماذج معالجة المعلومات المستوحاة من الفكر المعرفي ساعدت في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تحاكي التفكير البشري.
كما ساهمت في نشوء علم النفس العصبي المعرفي (Cognitive Neuroscience) الذي يدرس العلاقة بين العمليات العقلية والنشاط العصبي في الدماغ.

مساهمتها في تطوير علم النفس التربوي

بفضل نظريات بياجيه وبرونر وفيغوتسكي، أصبحت المدرسة المعرفية الأساس الذي يُبنى عليه علم النفس التربوي الحديث.
فقد نقلت الاهتمام من “النتيجة” إلى “العملية”، أي من درجات الطلاب إلى كيفية تفكيرهم وتطورهم المعرفي.

تأثيرها على فهم الإنسان كمنظومة عقلية متكاملة

غيّرت المدرسة المعرفية نظرتنا إلى الإنسان، فلم يعد يُرى ككائن انفعالي أو سلوكي فقط، بل ككائن عاقل يفكر ويحلل ويتخذ القرارات بناءً على خبراته.
كما أسهمت في ترسيخ فكرة أن الإنسان يمتلك القدرة على تعديل تفكيره وسلوكه من خلال الوعي الذاتي والتعلم المستمر.



الانتقادات الموجهة للمدرسة المعرفية

على الرغم من المكانة العلمية الكبيرة التي تحتلها المدرسة المعرفية في علم النفس الحديث، فإنها لم تخلُ من الانتقادات، خصوصًا من جانب المدارس الأخرى التي رأت أنها تركّز على الجانب العقلي أكثر من اللازم وتهمل العوامل الأخرى في السلوك الإنساني.

1. المبالغة في التركيز على العمليات العقلية

يرى بعض الباحثين أن المدرسة المعرفية تُفرط في التركيز على التفكير والإدراك وتتعامل مع الإنسان وكأنه آلة لمعالجة المعلومات فقط.
وبذلك، تُغفل الجوانب الوجدانية والعاطفية التي تلعب دورًا محوريًا في اتخاذ القرار والسلوك اليومي.

2. صعوبة قياس العمليات العقلية بدقة

رغم أن المدرسة المعرفية تسعى لأن تكون علمية، إلا أن كثيرًا من العمليات التي تدرسها — مثل التفكير والانتباه وحل المشكلات — يصعب ملاحظتها أو قياسها بشكل مباشر.
فهي تعتمد غالبًا على التفسير الذاتي أو التجارب غير المباشرة، مما يجعل نتائجها عرضة للتأويل.

3. غياب النظرة الشمولية للإنسان

تُتهم المدرسة المعرفية بأنها تتعامل مع العقل بمعزل عن الجسد والمجتمع والثقافة، أي أنها تركّز على البنية الذهنية دون النظر إلى الإطار الاجتماعي والبيولوجي.
وقد جاءت مدارس مثل الإنسانية والاجتماعية الثقافية لتُكمل هذا النقص، من خلال التأكيد على أن الإنسان كائن متكامل لا يمكن فهمه من منظور معرفي فقط.

4. تأثرها المفرط بالنموذج الحاسوبي

شبّهت المدرسة المعرفية العقل البشري بالحاسوب، وهو تشبيه مفيد من الناحية العلمية، لكنه قد يكون محدودًا في تفسير الجوانب الإبداعية والعاطفية التي تميز الإنسان عن الآلة.
فالعقل البشري لا يقتصر على المعالجة المنطقية للمعلومات، بل يتضمن الحدس، والمشاعر، والتجارب الشخصية التي يصعب نمذجتها.

ورغم هذه الانتقادات، تبقى المدرسة المعرفية إحدى أعظم الثورات الفكرية في تاريخ علم النفس، لأنها فتحت الباب أمام دراسة العقل بأساليب علمية ومنهجية.


الخاتمة

يمكن القول إن المدرسة المعرفية تمثل نقطة تحول محورية في مسيرة علم النفس، إذ نقلت اهتمام الباحثين من السلوك الظاهري إلى العقل الداخلي والعمليات الذهنية التي تفسّر هذا السلوك.
لقد قدّمت هذه المدرسة رؤية شاملة لكيفية معالجة الإنسان للمعلومات وتكوينه للمعرفة، وأسست لحقول علمية جديدة مثل علم النفس المعرفي، علم الأعصاب المعرفي، وعلم النفس التربوي الحديث.

ورغم الانتقادات الموجهة إليها، فإن المدرسة المعرفية اليوم تُعتبر الأساس النظري لأغلب التطبيقات الحديثة في التعليم والعلاج النفسي والتكنولوجيا.
فهي لا تدرس الإنسان ككائن سلبي يتأثر بالبيئة، بل ككائن واعٍ ومفكر يسعى لفهم العالم والتفاعل معه بعقله وخبرته.

إنها باختصار، مدرسة العقل الإنساني في أعمق صوره.


الأسئلة الشائعة (FAQs)

1. ما المقصود بالمدرسة المعرفية في علم النفس؟
هي اتجاه علمي يركز على دراسة العمليات العقلية الداخلية مثل التفكير، الذاكرة، الإدراك، والانتباه، بوصفها الأساس في تفسير السلوك الإنساني.

2. من هو مؤسس المدرسة المعرفية؟
يُعدّ أولريك نيسر المؤسس الرسمي للمدرسة المعرفية بكتابه علم النفس المعرفي عام 1967، بينما ساهم علماء مثل بياجيه وبرونر وميلر في ترسيخ أسسها النظرية.

3. ما الفرق بين المدرسة المعرفية والسلوكية؟
السلوكية تدرس السلوك الظاهر القابل للملاحظة فقط، بينما تركز المدرسة المعرفية على العمليات العقلية الداخلية التي تسبق السلوك مثل التفكير والذاكرة والإدراك.

4. ما أبرز تطبيقات المدرسة المعرفية في التعليم؟
تُستخدم في التعليم القائم على الفهم، التعلم بالاكتشاف، وتنمية التفكير الناقد، كما تشجع الطلاب على بناء المعرفة بأنفسهم بدلاً من تلقيها بشكل مباشر.

5. كيف ساهمت المدرسة المعرفية في العلاج النفسي؟
أسست لظهور العلاج المعرفي والعلاج السلوكي المعرفي (CBT) اللذين يعتمدان على تعديل أنماط التفكير السلبية لتغيير المشاعر والسلوكيات غير السوية.

6. ما أبرز الانتقادات الموجهة للمدرسة المعرفية؟
من أبرزها المبالغة في التركيز على التفكير دون الانفعال، وصعوبة قياس العمليات العقلية، إضافة إلى تجاهل العوامل الاجتماعية والثقافية.

التعليقات

نبذة عن الكاتب

الكاتب: د. حصة العمري
الوظيفة: أستاذ مشارك / أكاديميّة وباحثة في مجال القياس والتقويم

 أستاذة متخصصة في القياس والتقويم، تهتم بتطوير أدوات التقييم التربوي وتحسين جودة التعليم. لها مساهمات بحثية وأكاديمية في مجال تقويم البرامج التعليمية وقياس نواتج التعلم

تعرف على خدماتنا
خدمة تحليل البيانات باستخدام برنامج Jamovi
icon
خدمة تحليل البيانات باستخدام برنامج Jamovi
خدمة تحليل البيانات باستخدام برنامج JASP
icon
خدمة تحليل البيانات باستخدام برنامج JASP
خدمة التحليل الإحصائي النوعي
icon
خدمة التحليل الإحصائي النوعي
خدمة التحليل المختلط بمنهجية Q
icon
خدمة التحليل المختلط بمنهجية Q
خدمة التحليل الإحصائي بلغة R
icon
خدمة التحليل الإحصائي بلغة R
خدمة التحليل الإحصائي ببرنامج E-Views
icon
خدمة التحليل الإحصائي ببرنامج E-Views
خدمة التحليل الإحصائي المتقدم بـ AMOS
icon
خدمة التحليل الإحصائي المتقدم بـ AMOS
خدمة تصور البيانات (Data Visualization) وإنشاء تقارير تفاعلية
icon
خدمة تصور البيانات (Data Visualization) وإنشاء تقارير تفاعلية
خدمة تصميم العروض التقديمية للمناقشة
icon
خدمة تصميم العروض التقديمية للمناقشة
خدمة الباحث المشارك (Co-Researcher Service)
icon
خدمة الباحث المشارك (Co-Researcher Service)
خدمة عمل كتاب إلكتروني وفق المعايير الأكاديمية
icon
خدمة عمل كتاب إلكتروني وفق المعايير الأكاديمية
خدمة كتابة ملخص البحث وترجمته للإنجليزية
icon
خدمة كتابة ملخص البحث وترجمته للإنجليزية
خدمة تلخيص الكتب والمراجع العربية والإنجليزية
icon
خدمة تلخيص الكتب والمراجع العربية والإنجليزية
خدمة تصميم البوسترات البحثية الاحترافية
icon
خدمة تصميم البوسترات البحثية الاحترافية
خدمة ترشيح المجلات العلمية المحكمة
icon
خدمة ترشيح المجلات العلمية المحكمة
احصل على استشارة مجانية من الخبراء
whatsapp