تُعد المدرسة المعرفية من أبرز الاتجاهات الحديثة في علم النفس، وقد غيّرت بشكل جذري الطريقة التي نفهم بها العقل البشري والسلوك الإنساني.
فبعد أن سيطرت المدرسة السلوكية لعقود طويلة على البحث النفسي من خلال تركيزها على السلوك الظاهر فقط، جاءت المدرسة المعرفية لتعيد الاهتمام إلى ما يجري داخل العقل من عمليات تفكير وإدراك وتذكر وتعلم.
تهدف المدرسة المعرفية إلى دراسة العمليات العقلية الداخلية بوصفها الأساس في توجيه السلوك الإنساني. فهي تنظر إلى الإنسان باعتباره كائنًا نشطًا يعالج المعلومات ويفسرها، لا مجرد مستجيب سلبي للمثيرات الخارجية.
لقد مثّل ظهور هذا الاتجاه ما يُعرف بـ “الثورة المعرفية”، التي ساهمت في تحويل علم النفس إلى علم أكثر عمقًا وتكاملًا يجمع بين السلوك والعقل والتكنولوجيا.
المدرسة المعرفية في علم النفس
المدرسة المعرفية هي اتجاه في علم النفس يركز على دراسة العمليات العقلية التي تحدث داخل الإنسان مثل الإدراك، والانتباه، والذاكرة، وحل المشكلات، واللغة، والتفكير.
فبدلًا من الاكتفاء بملاحظة السلوك كما تفعل المدرسة السلوكية، تهتم المدرسة المعرفية بفهم الأسباب الذهنية التي تقف خلف هذا السلوك.
إنها تنظر إلى العقل البشري كنظام ديناميكي يقوم بمعالجة المعلومات من البيئة وتحليلها وتخزينها واسترجاعها، مما يجعلها أشبه بنظام معالجة بيانات متطور.
أسباب ظهور المدرسة المعرفية كرد فعل على السلوكية
خلال النصف الأول من القرن العشرين، سادت المدرسة السلوكية التي اعتبرت أن السلوك هو النتيجة المباشرة للمثيرات الخارجية.
لكن مع مرور الوقت، بدأ العلماء يلاحظون أن هذا التفسير غير كافٍ لفهم السلوك الإنساني المعقد.
فكيف يمكن تفسير التفكير، أو الإبداع، أو اتخاذ القرار، أو الفهم اللغوي؟
هذه الظواهر لا يمكن دراستها فقط من خلال المثير والاستجابة، بل تتطلب دراسة ما يجري داخل العقل.
وهنا ظهرت المدرسة المعرفية لتملأ هذا الفراغ.
أهمية دراسة العمليات العقلية الداخلية
تُعد العمليات المعرفية بمثابة الوسيط بين المثير والسلوك.
فالعقل لا يستجيب للمؤثرات الخارجية بشكل مباشر، بل يقوم أولًا بتفسيرها وفهمها وفقًا لتجاربه السابقة ومعتقداته.
لذلك، فإن فهم السلوك الإنساني لا يكتمل دون فهم ما يدور في الذهن من عمليات إدراك وانتباه وتفكير وذاكرة.
ومن هنا، أصبحت المدرسة المعرفية الأساس الذي يقوم عليه معظم أبحاث علم النفس الحديث والتربوي.
نشأة المدرسة المعرفية وتطورها التاريخي
رغم أن ظهور المدرسة المعرفية كان في منتصف القرن العشرين، إلا أن جذورها تمتد إلى البدايات الأولى لعلم النفس.
فقد كان فيلهلم فونت ووليام جيمس من أوائل من اهتموا بدراسة الوعي والعمليات العقلية.
لكن مع صعود المدرسة السلوكية في أوائل القرن العشرين، تراجع الاهتمام بدراسة الوعي لصعوبة قياسه علميًا.
الثورة المعرفية في خمسينيات القرن العشرين
في خمسينيات القرن الماضي، شهد علم النفس ما يُعرف بـ “الثورة المعرفية”، التي مثّلت تحولًا كبيرًا في دراسة الإنسان.
قاد هذه الثورة عدد من العلماء في مجالات متعددة — علم النفس، واللغويات، وعلوم الحاسوب، وعلم الأعصاب — حيث بدأوا ينظرون إلى العقل كنظام لمعالجة المعلومات.
كان ظهور الحاسوب الإلكتروني في تلك الفترة نقطة تحول مهمة، إذ استخدمه الباحثون كنموذج لفهم كيفية عمل الدماغ البشري في إدخال المعلومات ومعالجتها وإخراجها.
مساهمة العلماء والباحثين الأوائل
من بين العلماء الذين ساهموا في تأسيس المدرسة المعرفية:
-
جورج ميلر (George Miller): أحد أوائل من درسوا الذاكرة قصيرة المدى.
-
أولريك نيسر (Ulric Neisser): الذي أصدر كتابه الشهير علم النفس المعرفي عام 1967، واعتُبر المؤسس الرسمي للمدرسة المعرفية.
-
جيروم برونر (Jerome Bruner): ركّز على أهمية الاستراتيجيات الذهنية في التعلم.
-
جان بياجيه (Jean Piaget): وضع نظرية التطور المعرفي التي شرحت كيف ينمو التفكير لدى الأطفال.
تلك الجهود مجتمعة شكّلت الإطار النظري الذي انطلقت منه المدرسة المعرفية، وجعلت منها حجر الأساس لعلم النفس الحديث.
المبادئ الأساسية للمدرسة المعرفية
الإنسان كمعالج للمعلومات
ترى المدرسة المعرفية أن الإنسان ليس كائنًا سلبيًا يستجيب للمؤثرات الخارجية، بل هو نظام نشط لمعالجة المعلومات.
فالعقل يقوم باستقبال المعلومات من البيئة، ثم معالجتها وتنظيمها وتخزينها في الذاكرة، ليسترجعها لاحقًا عند الحاجة.
هذا النموذج جعل العقل البشري يُشبَّه بالحاسوب الذي يقوم بعمليات الإدخال والمعالجة والإخراج.
الإدراك والانتباه والذاكرة كأسس للسلوك
تُعتبر هذه العمليات الثلاث هي الركائز الأساسية للفكر المعرفي:
-
الإدراك: هو الطريقة التي يفسّر بها الإنسان المعلومات الحسية من البيئة.
-
الانتباه: يمثل عملية انتقاء المعلومات المهمة وتجاهل غير المهم.
-
الذاكرة: تُعد مستودع الخبرات والمعارف التي تُوجّه السلوك.
كل سلوك إنساني يعتمد بشكل أساسي على كيفية معالجة الفرد للمعلومات عبر هذه العمليات الثلاث.
دور التفكير وحل المشكلات
تُولي المدرسة المعرفية أهمية كبرى لعملية التفكير بوصفها جوهر النشاط العقلي.
فمن خلال التفكير، يتمكن الإنسان من تحليل المواقف واتخاذ القرارات وحل المشكلات بطرق منطقية.
كما ترى أن التفكير الإبداعي يعتمد على قدرة الفرد على إعادة تنظيم المعلومات المخزّنة في الذاكرة بطرق جديدة ومبتكرة.
وهكذا، فإن المدرسة المعرفية لا تكتفي بملاحظة السلوك، بل تسعى إلى فهم العقل الذي يقف خلفه، وهذا ما جعلها ثورة فكرية حقيقية في علم النفس.









