يُعد تحليل التباين الأحادي (One-Way ANOVA) من أهم الأساليب الإحصائية المستخدمة في البحث العلمي، خاصة عند الرغبة في مقارنة متوسطات أكثر من مجموعتين مستقلتين في آنٍ واحد. ويُستخدم هذا الاختبار على نطاق واسع في مجالات التربية، وعلم النفس، والعلوم الاجتماعية، والطب، والإدارة، لما يقدّمه من دقة في تحليل الفروق وتقليل احتمالية الخطأ الإحصائي.
يلجأ الباحثون إلى تحليل التباين الأحادي عندما يكون لديهم متغير مستقل واحد يؤثر في متغير تابع كمي، ويرغبون في معرفة ما إذا كانت الفروق بين المتوسطات ناتجة عن تأثير حقيقي أم مجرد فروق عشوائية. ويتميّز هذا الأسلوب بقدرته على معالجة مشكلات المقارنة المتعددة التي قد تظهر عند استخدام أكثر من اختبار (T-test).
في هذا المقال، سنقدّم شرحًا متكاملًا لتحليل التباين الأحادي، بدءًا من تعريفه ومتى يُستخدم، مرورًا بالفرضيات والافتراضات الأساسية، وصولًا إلى خطوات التطبيق والتفسير الإحصائي، مع أمثلة عملية تسهّل الفهم على الطلاب والباحثين.
ما هو تحليل التباين الأحادي (One-Way ANOVA)؟
تحليل التباين الأحادي هو اختبار إحصائي يُستخدم لمقارنة متوسطات ثلاث مجموعات مستقلة أو أكثر لمعرفة ما إذا كانت هناك فروق ذات دلالة إحصائية بينها. ويعتمد هذا الاختبار على تحليل مقدار التباين في البيانات، بدلًا من مقارنة المتوسطات بشكل مباشر، كما هو الحال في اختبار (T).
ويقوم مبدأ تحليل التباين على تقسيم التباين الكلي في البيانات إلى جزأين: تباين ناتج عن الاختلاف بين المجموعات، وتباين ناتج عن الاختلاف داخل كل مجموعة. ومن خلال مقارنة هذين النوعين من التباين، يمكن تحديد ما إذا كانت الفروق بين المتوسطات حقيقية أم عشوائية.
فكرة تحليل التباين الأحادي باختصار
تعتمد فكرة One-Way ANOVA على مقارنة التباين بين المجموعات مع التباين داخل المجموعات باستخدام إحصائية تُعرف بقيمة (F). فإذا كانت قيمة التباين بين المجموعات أكبر بكثير من التباين داخلها، فهذا يشير إلى وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين المتوسطات.
وبعبارة أبسط، يسعى تحليل التباين الأحادي إلى الإجابة عن السؤال التالي:
هل تعود الفروق بين متوسطات المجموعات إلى تأثير المتغير المستقل، أم أنها مجرد فروق عشوائية ناتجة عن التباين الطبيعي في البيانات؟
متى يُستخدم تحليل التباين الأحادي؟
يُستخدم تحليل التباين الأحادي عندما تتوفر الشروط التالية:
-
وجود متغير مستقل واحد (مثل: طريقة تدريس، نوع علاج، مستوى خبرة).
-
وجود ثلاث مجموعات مستقلة أو أكثر.
-
أن يكون المتغير التابع كميًا (مثل: درجات، أوزان، زمن).
-
استقلالية المشاهدات بين المجموعات.
وعندما تتحقق هذه الشروط، يكون تحليل التباين الأحادي هو الخيار الأنسب بدلًا من إجراء عدة اختبارات (T-test)، لما يسببه ذلك من زيادة في نسبة الخطأ من النوع الأول.
أمثلة على استخدام تحليل التباين الأحادي
من الأمثلة الشائعة على استخدام One-Way ANOVA:
-
مثال تربوي: مقارنة متوسط تحصيل الطلاب في ثلاث طرق تدريس مختلفة.
-
مثال في علم النفس: مقارنة مستويات القلق لدى ثلاث فئات عمرية.
-
مثال طبي: مقارنة متوسط فعالية ثلاثة أنواع من الأدوية على ضغط الدم.
في جميع هذه الحالات، يكون الهدف هو معرفة ما إذا كانت الفروق بين المتوسطات ذات دلالة إحصائية أم لا.
الفرضيات في تحليل التباين الأحادي
الفرضية الصفرية (Null Hypothesis)
تنص الفرضية الصفرية في تحليل التباين الأحادي على أنه لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات المجموعات. وبصيغة أخرى، تفترض هذه الفرضية أن جميع المتوسطات متساوية، وأن أي فروق ظاهرية بينها ناتجة عن الصدفة.
وعادة ما تُكتب الفرضية الصفرية بالشكل التالي:
متوسط المجموعة الأولى = متوسط المجموعة الثانية = متوسط المجموعة الثالثة … إلخ.
الفرضية البديلة (Alternative Hypothesis)
تفترض الفرضية البديلة وجود فرق واحد على الأقل بين متوسطات المجموعات. ولا تحدد هذه الفرضية أي المجموعات تختلف عن الأخرى، بل تشير فقط إلى أن هناك اختلافًا ذا دلالة إحصائية يستحق الدراسة.
وفي حال رفض الفرضية الصفرية، يلجأ الباحث لاحقًا إلى الاختبارات البعدية لتحديد موضع الفروق بين المجموعات.












