يُعدّ علم النفس من أكثر العلوم الإنسانية تنوعًا وتطورًا، إذ لم يقتصر على منهج واحد في تفسير السلوك البشري، بل نشأت داخله مدارس فكرية متعددة، كل منها قدّمت رؤيتها الخاصة لفهم العقل والنفس والإنسان.
منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، تنوّعت هذه المدارس بين من ركزت على الوعي مثل المدرسة البنائية، ومن اهتمت بـ السلوك الخارجي كالسلوكية، وأخرى درست العمليات العقلية مثل المدرسة المعرفية.
هذا التعدد لا يعكس تضاربًا بقدر ما يُبرز غنى هذا العلم واتساع آفاقه، فكل مدرسة ساهمت في بناء ركن أساسي من أركان علم النفس الحديث.
في هذا المقال، سنستعرض أبرز هذه المدارس، مؤسسيها، وأهم أفكارها النظرية والتطبيقية، مع تحليل لكيفية تطورها وتأثيرها في حياتنا اليومية.
أهم مدارس علم النفس
مدارس علم النفس هي اتجاهات فكرية ونظرية نشأت لتفسير الظواهر النفسية والسلوكية من زوايا مختلفة.
فكل مدرسة طوّرت منهجًا خاصًا في دراسة الإنسان: بعضُها ركّز على التجربة الداخلية للشعور والإدراك، وبعضها الآخر على السلوك القابل للملاحظة، فيما ركّزت مدارس لاحقة على التفكير والمعرفة والعلاقات الاجتماعية.
لماذا ظهرت مدارس فكرية متعددة؟
ظهر هذا التعدد نتيجة اختلاف الفلاسفة والعلماء في طبيعة العقل البشري، وهل يمكن دراسته كظاهرة علمية تجريبية أم كحالة ذاتية واعية.
كما ساهم تطور العلوم العصبية والتجريبية في القرن التاسع عشر في ظهور تيارات علمية جديدة تنظر للنفس من منظور أكثر ماديّة ومنهجية.
وبالتالي، لم يكن علم النفس علمًا ثابتًا، بل تطور عبر مدارس متعاقبة، كل منها أضاف بعدًا جديدًا لفهم الإنسان.
العلاقة بين الفلسفة وعلم النفس
لا يمكن فهم مدارس علم النفس دون العودة إلى جذورها الفلسفية.
فمثلاً، المدرسة البنائية تأثرت بالفلسفة التجريبية البريطانية، بينما استلهمت المدرسة التحليلية أفكارها من التحليل الفلسفي للوعي واللاوعي في أوروبا.
لقد شكّلت الفلسفة الإطار الفكري الذي انطلقت منه هذه المدارس لتبني علمًا قائمًا على الملاحظة والتجريب.
المدرسة البنائية (Structuralism)
تُعتبر المدرسة البنائية أول محاولة منهجية لتأسيس علم النفس كعلم مستقل عن الفلسفة.
ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر على يد العالم فيلهلم فونت (Wilhelm Wundt)، الذي أسّس أول مختبر لعلم النفس التجريبي في جامعة لايبزغ بألمانيا عام 1879، وهو الحدث الذي يُعدّ الميلاد الرسمي لعلم النفس الحديث.
مؤسس المدرسة وأبرز أفكاره
يُعدّ فونت ومساعده إدوارد تيتشنر (Edward Titchener) المؤسسين الرئيسيين للمدرسة البنائية.
كان هدفهم الأساسي هو تحليل الخبرة الشعورية إلى مكوناتها الأساسية من أحاسيس ومشاعر وصور ذهنية.
فهم اعتبروا أن النفس يمكن دراستها مثل أي مادة فيزيائية من خلال تفكيكها إلى عناصرها البسيطة.
أدوات البحث في المدرسة البنائية
اعتمدت المدرسة البنائية على منهج التأمل الذاتي (Introspection)، وهو أسلوب يقوم فيه المشارك بمراقبة خبراته الداخلية ووصفها بدقة عند مواجهة مثير معين.
كان الباحث يسأل المشارك عن مشاعره أو انطباعاته فورًا بعد التجربة، بهدف فهم كيفية تكوين الوعي.
الانتقادات الموجهة للمدرسة البنائية
رغم ريادتها، إلا أن المدرسة البنائية واجهت عدة انتقادات:
-
اعتمادها المفرط على الخبرة الذاتية التي يصعب التحقق منها علميًا.
-
تجاهلها للوظائف العملية للعقل واكتفاؤها بوصف المكونات.
-
استحالة تطبيقها على الأطفال أو الحيوانات لعدم قدرتهم على “التأمل الذاتي”.
ورغم هذه الانتقادات، كانت البنائية الخطوة الأولى نحو تحويل علم النفس من الفلسفة إلى العلم التجريبي المنهجي.
المدرسة الوظيفية (Functionalism)
ظهرت المدرسة الوظيفية كردّ فعل على المدرسة البنائية في الولايات المتحدة، وركّزت على دراسة وظيفة السلوك والوعي بدلاً من مكوناتهما.
يُعتبر الفيلسوف والعالم ويليام جيمس (William James) الأب الروحي لهذه المدرسة، إلى جانب علماء مثل جون ديوي وجيمس أنجل.
مفهوم الوظيفة في علم النفس
تؤمن المدرسة الوظيفية بأن العقل لا يمكن فهمه إلا من خلال وظيفته في مساعدة الإنسان على التكيف مع بيئته.
فبدلاً من تحليل الوعي إلى أجزاء، سعت إلى دراسة كيف يستخدم الإنسان العمليات العقلية لتحقيق أهداف عملية مثل التفكير، اتخاذ القرار، والتعلّم.
وليام جيمس والمنهج التجريبي
في كتابه الشهير مبادئ علم النفس (1890)، وضع جيمس أسس المدرسة الوظيفية التي جمعت بين الفلسفة التجريبية والبيولوجيا التطورية.
اعتمد على فكرة أن العمليات النفسية ليست ساكنة، بل هي ديناميكية تتطور وفق احتياجات الفرد، مما جعل منهج المدرسة أقرب إلى علم الأحياء منه إلى التأمل الذاتي.
أثر المدرسة الوظيفية على علم النفس الحديث
كان للمدرسة الوظيفية تأثير كبير على مجالات مثل:
-
التربية والتعليم (من خلال دراسة أساليب التعلم والتفكير).
-
علم النفس التطبيقي (خاصة في بيئة العمل والصحة النفسية).
-
كما مهّدت الطريق لاحقًا لظهور المدرسة السلوكية التي ركزت على السلوك كاستجابة لوظائف البيئة.









