books

ما هي المجلات المفترسة Predatory Journals؟

09 ديسمبر 2025
عدد المشاهدات (171 مشاهدة)
ما هي المجلات المفترسة Predatory Journals؟

في السنوات الأخيرة، شهد العالم الأكاديمي انتشارًا واسعًا لظاهرة جديدة تهدد مصداقية البحث العلمي، وهي ظاهرة “المجلات المفترسة” أو ما يُعرف بالإنجليزية بـ Predatory Journals. هذه المجلات، التي تدّعي أنها علمية ومحكّمة، تستغل حاجة الباحثين للنشر الأكاديمي، خصوصًا أولئك الساعين للترقي أو الحصول على الاعتراف الأكاديمي.
تُغري هذه المجلات الباحثين بعروض مغرية مثل النشر السريع أو رسوم منخفضة، لكنها في الواقع تفتقر لأبسط معايير الجودة والتحكيم العلمي. والنتيجة هي إنتاج كمٍّ هائل من الأبحاث التي لا تستوفي الشروط الأكاديمية الصحيحة، مما يضر بسمعة الباحثين والجامعات على حد سواء.
في هذا المقال، سنتعرف بالتفصيل على ماهية المجلات المفترسة، وخصائصها، وأخطارها على المجتمع الأكاديمي، مع تقديم نصائح عملية تساعد الباحثين على تجنب الوقوع في فخها.


فهم المجلات المفترسة

تعريف المجلات المفترسة

المجلات المفترسة هي دوريات تنشر أبحاثًا علمية دون الالتزام بالمعايير الأكاديمية المطلوبة، مثل مراجعة الأقران أو التحقق من جودة البحث. هدفها الأساسي ليس خدمة المعرفة، بل تحقيق الربح المالي من رسوم النشر التي يدفعها الباحثون.
غالبًا ما تدّعي هذه المجلات أنها محكّمة أو مدرجة في قواعد بيانات معروفة مثل Scopus أو Web of Science، في حين أنها لا تمتلك أي اعتراف رسمي من تلك المنصات.

نشأة وتطور الظاهرة

ظهرت ظاهرة المجلات المفترسة في بداية الألفية الجديدة مع انتشار مفهوم النشر المفتوح (Open Access). كانت الفكرة الأصلية للنشر المفتوح نبيلة، تهدف إلى جعل المعرفة متاحة للجميع دون قيود مالية. إلا أن بعض الأفراد استغلوا هذا النظام لإنشاء مجلات زائفة تحقق أرباحًا من الباحثين الطامحين للنشر السريع دون تدقيق.
ومع مرور الوقت، تطورت هذه المجلات وأصبحت أكثر احترافية في مظهرها الإلكتروني، مما يجعل اكتشافها صعبًا حتى على الباحثين المتمرسين.

الأسباب التي أدت إلى انتشارها عالميًا

هناك عدة عوامل ساهمت في ازدهار هذا النوع من النشر، أبرزها الضغوط الأكاديمية التي تواجه الباحثين لنشر عدد كبير من الأبحاث في فترة قصيرة. كما أن سهولة إنشاء مواقع إلكترونية احترافية جعلت من السهل على أي جهة إطلاق مجلة “شكلية” لا تستوفي معايير الجودة.
إضافة إلى ذلك، ضعف الوعي الأكاديمي في بعض الدول النامية، وغياب الإشراف المؤسسي الفعّال، أدّيا إلى تفشي الظاهرة بشكل مقلق.

لماذا تشكل خطرًا على البحث العلمي؟

تكمن خطورة المجلات المفترسة في أنها تضعف مصداقية العلم ذاته. فعندما تُنشر أبحاث غير دقيقة أو غير محكّمة، تصبح النتائج العلمية المشكوك فيها جزءًا من الأدبيات الأكاديمية، مما يؤدي إلى تضليل الباحثين الآخرين، وتشويه سمعة المجتمعات البحثية بأكملها.
كما أن الباحث الذي ينشر فيها قد يتعرض لفقدان الثقة الأكاديمية، وربما رفض أبحاثه المستقبلية من قبل مجلات مرموقة.


الخصائص الأساسية للمجلات المفترسة

غياب مراجعة الأقران (Peer Review)

واحدة من أبرز السمات التي تميز المجلات المفترسة هي غياب نظام مراجعة الأقران الحقيقي. فبدلاً من أن تمر الأبحاث بعملية تقييم دقيقة من قبل خبراء مختصين، تُقبل الأوراق خلال أيام معدودة دون أي تعديل أو ملاحظات. هذا السلوك يتنافى تمامًا مع روح البحث العلمي، التي تقوم على التدقيق والتصحيح.

معايير نشر غير شفافة

المجلات المفترسة لا توضح سياساتها التحريرية بوضوح. لا توجد معلومات عن كيفية اختيار المحكمين، أو عن عملية التقييم، أو حتى عن آلية رفض الأوراق. وغالبًا ما تُدار هذه المجلات من قبل أشخاص مجهولين أو غير مؤهلين أكاديميًا.

رسوم نشر خفية أو مرتفعة

تستغل هذه المجلات الباحثين ماليًا، فبعد قبول الورقة مباشرة، تُطالبهم بدفع رسوم نشر غير متوقعة. أحيانًا تكون هذه الرسوم خفية ولا يتم الإعلان عنها مسبقًا، وأحيانًا أخرى تكون مبالغًا فيها دون مبرر علمي.

استخدام عوامل تأثير وهمية (Fake Impact Factors)

تقوم المجلات المفترسة بإنشاء مواقع إلكترونية تدّعي احتساب “عامل تأثير” مزيف بهدف الإيحاء بالمصداقية. وغالبًا ما تستخدم شعارات وهمية أو أسماء مشابهة لجهات حقيقية، مما يصعّب على الباحث العادي التفرقة بينها وبين المجلات الحقيقية.

مراسلات بريدية عدوانية

يرسل القائمون على هذه المجلات مئات الرسائل الإلكترونية إلى الباحثين، يعرضون فيها نشر الأبحاث بسرعة أو الانضمام إلى هيئة التحرير مقابل مبالغ مالية. هذه الرسائل عادة تكون غير رسمية وتخلو من التفاصيل الدقيقة حول آلية النشر أو التقييم.


كيف يمكن التعرف على المجلات المفترسة

إشارات التحذير على مواقع المجلات

أحد أهم الخطوات التي تساعد الباحث على اكتشاف المجلات المفترسة هو فحص موقع المجلة الإلكتروني بدقة. المجلات الزائفة غالبًا ما تحتوي على أخطاء لغوية واضحة، وتصميم بسيط أو غير احترافي، وعدم وجود عنوان فعلي أو معلومات اتصال دقيقة. كما أن غياب التفاصيل حول الناشر أو هيئة التحرير يشير إلى غموض متعمد.
ينبغي للباحث أن يتحقق من وجود رقم ISSN صحيح، وسياسة نشر واضحة، وأرشيف للأعداد السابقة يحتوي على أبحاث علمية حقيقية وذات جودة.

فحص القائمة السوداء (Beall’s List)

قام الباحث الأمريكي جيفري بيل (Jeffrey Beall) بإنشاء قائمة تعرف باسم Beall’s List، وهي تضم أسماء المجلات ودور النشر التي يشتبه بأنها مفترسة.
ورغم أن القائمة الأصلية توقفت عام 2017، إلا أن هناك مواقع ومجتمعات أكاديمية تُحدّث قوائم مشابهة باستمرار.
يمكن للباحث استخدام هذه القوائم للتحقق مما إذا كانت المجلة مدرجة فيها، ولكن يجب أن يستخدمها بحذر ويجمع بين أكثر من مصدر للتأكد.

التحقق من الفهرسة في قواعد البيانات المعروفة

المجلات العلمية الموثوقة عادة تكون مدرجة في قواعد بيانات عالمية مثل Scopus، Web of Science، وDOAJ (Directory of Open Access Journals).
للتأكد من مصداقية المجلة، يمكن البحث عنها مباشرة في هذه المنصات. إذا لم تظهر المجلة في نتائج البحث أو لم يكن لها معرف ISSN مسجل رسميًا، فهذه علامة تحذير قوية.
كما أن المجلات المفترسة غالبًا ما تدّعي وجودها في هذه القواعد دون دليل حقيقي، لذا يُفضل التحقق من المصدر الرسمي دائمًا.

تقييم أعضاء هيئة التحرير

من المهم الاطلاع على قائمة هيئة التحرير (Editorial Board) للمجلة. في المجلات الموثوقة، ستجد أسماء أكاديميين معروفين مع انتماءاتهم الجامعية وروابطهم الرسمية. أما المجلات المفترسة، فغالبًا ما تضع أسماء وهمية أو أسماء باحثين دون إذنهم.
يمكن التحقق من صحة هذه الأسماء عبر البحث عنها في Google Scholar أو صفحات الجامعات.

مراجعة الموقع الإلكتروني للمجلة

تفاصيل صغيرة قد تكشف الكثير: عناوين بريد إلكتروني عامة مثل Gmail أو Yahoo، أو روابط معطّلة، أو غياب معلومات عن حقوق النشر. كما أن بعض هذه المجلات تغير أسماءها أو روابطها بشكل متكرر لتفادي الحظر، وهو سلوك غير شائع في الدوريات الأكاديمية الحقيقية.


أمثلة واقعية على المجلات المفترسة

مجلات استهدفت الباحثين العرب

خلال السنوات الأخيرة، ظهرت عشرات المجلات التي تستهدف الباحثين العرب تحديدًا، بسبب ازدياد الضغط للنشر الأكاديمي من أجل الترقية الجامعية.
بعض هذه المجلات تستخدم أسماء عربية أو إنجليزية جذابة مثل “International Journal of Advanced Studies” أو “Arab Journal of Modern Science”، لكنها في الحقيقة لا تخضع لأي تحكيم علمي.
وقد رُصدت حالات كثيرة لجامعات عربية حذّرت باحثيها من التعامل مع مثل هذه المجلات بعد اكتشافها.

فضائح أكاديمية بسبب النشر في مجلات وهمية

في عام 2018، كشفت وسائل إعلام أكاديمية دولية عن فضيحة تتعلق بنشر مئات الأبحاث في مجلات مفترسة من قبل باحثين في مؤسسات مرموقة.
أحد الأمثلة الشهيرة هو قيام مجلة زائفة بنشر أكثر من 400 بحث في عام واحد دون أي مراجعة. عندما تم التحقيق، اتضح أن أغلب الأوراق كانت تحتوي على أخطاء علمية جسيمة أو بيانات غير دقيقة.
هذه الحالات أدت إلى فرض قيود جديدة من الجامعات على قوائم المجلات المقبولة للنشر.

تجارب باحثين وقعوا ضحية

يحكي أحد الباحثين الشباب من الشرق الأوسط أنه تلقى رسالة إلكترونية من مجلة تدّعي أنها “دولية ومرموقة”. بعد إرسال بحثه، تم قبوله خلال 48 ساعة مقابل رسوم رمزية.
لاحقًا اكتشف أن المجلة غير معترف بها وأن بحثه لم تتم مراجعته إطلاقًا. هذه التجربة جعلته يفقد فرصة الترقية الأكاديمية، وأصبحت دراسته بلا قيمة علمية.
مثل هذه القصص شائعة جدًا، وتؤكد ضرورة التحقق الدقيق قبل إرسال أي بحث للنشر.


تأثير المجلات المفترسة على البحث العلمي

تدهور جودة النشر الأكاديمي

أخطر ما في المجلات المفترسة هو أنها تضعف القيمة العلمية للبحث الأكاديمي. فالنشر فيها لا يخضع لمراجعة دقيقة، ما يعني أن الأبحاث المنشورة قد تحتوي على أخطاء منهجية أو بيانات مزيفة.
بمرور الوقت، تتراكم هذه الأبحاث لتكوّن مرجعيات علمية غير صحيحة، مما يعرقل تقدم المعرفة ويشوّه صورة البحث العلمي في المجتمعات الأكاديمية.

تراجع تصنيف الجامعات والمؤسسات

الجامعات التي ينشر باحثوها في مجلات مفترسة تتأثر سلبًا في تصنيفاتها الدولية، مثل تصنيف QS أو Times Higher Education.
فالنشر في مصادر غير معترف بها يضعف المؤشرات البحثية للمؤسسة ويؤثر على سمعتها الأكاديمية، مما يؤدي أحيانًا إلى فقدان الثقة في جودة التعليم والبحث لديها.

فقدان الثقة بين الباحثين والناشرين

عندما تنتشر المجلات المفترسة، يصبح من الصعب التمييز بين النشر الجاد والنشر المزيف. هذا يخلق حالة من الشك بين الباحثين والمجلات الشرعية، ويؤثر سلبًا على التعاون العلمي العالمي.
كما أن بعض الباحثين الذين وقعوا في فخ هذه المجلات قد يعزفون لاحقًا عن النشر خوفًا من تكرار التجربة، مما يقلل من الإسهام العلمي في المجتمع.


كيفية تجنب المجلات المفترسة

خطوات عملية قبل إرسال البحث

تجنب المجلات المفترسة يبدأ بالتحقق الدقيق قبل اتخاذ قرار النشر. أول خطوة هي قراءة سياسة المجلة بعناية، وفهم آلية التحكيم ومدى وضوحها.
يُنصح الباحث بالبحث عن اسم المجلة في قواعد بيانات علمية معروفة مثل Scopus أو DOAJ أو Web of Science. في حال لم يجدها، فهذه إشارة تدعو للحذر.
كما يجب مراجعة الموقع الإلكتروني للمجلة ومحتوى الأبحاث المنشورة سابقًا. إذا لاحظ الباحث ضعفًا في جودة الأبحاث أو غياب أسماء المؤلفين بوضوح، فذلك مؤشر سلبي.

إضافة إلى ذلك، يمكن للباحث استخدام أدوات مبسطة مثل مبادرة Think. Check. Submit.، وهي قائمة تحقق معترف بها عالميًا تساعد الباحثين في تقييم موثوقية المجلات قبل إرسال أبحاثهم.

الرجوع إلى المكتبة الجامعية أو المشرف الأكاديمي

الخطوة الثانية المهمة هي استشارة المشرف الأكاديمي أو وحدة البحث العلمي في الجامعة. هذه الجهات تمتلك خبرة واسعة بقوائم المجلات الموثوقة والممنوعة.
العديد من الجامعات أصبحت تحتفظ بقوائم داخلية محدّثة للمجلات المقبولة للنشر، ويُنصح الباحث بالاعتماد عليها.
كما يمكن للمكتبة الجامعية المساعدة في التأكد من فهرسة المجلة، أو توجيه الباحث نحو بدائل أكثر موثوقية.

استخدام أدوات كشف المجلات المشبوهة

مع تطور التكنولوجيا، ظهرت أدوات رقمية متقدمة يمكنها تحليل بيانات المجلة واكتشاف علامات الاشتباه.
على سبيل المثال، بعض البرامج تراقب نشاط المجلات عبر الإنترنت، وتقارنها ببيانات المجلات المفهرسة رسميًا.
كما يمكن استخدام مواقع متخصصة مثل Cabells’ Predatory Reports، والتي تقدم تقارير موثوقة حول دور النشر المشكوك فيها.


علاقة المجلات المفترسة بالنشر المفتوح (Open Access)

استغلال نموذج الوصول المفتوح لتحقيق مكاسب مالية

النشر المفتوح (Open Access) فكرة نبيلة تهدف إلى إتاحة الأبحاث للجميع مجانًا، إلا أن بعض المجلات المفترسة استغلت هذا المفهوم بطريقة احتيالية.
فهي تستخدم شعار “الوصول المفتوح” لتبرير فرض رسوم نشر مرتفعة دون تقديم خدمات علمية حقيقية مثل المراجعة والتحكيم.
المشكلة أن كثيرًا من الباحثين، خاصة في الدول النامية، يربطون بين “النشر المفتوح” و“النشر السهل”، فيقعون ضحية هذه الجهات.

يجب التأكيد أن ليس كل النشر المفتوح مفترسًا، بل هناك مئات المجلات المرموقة تعمل بهذا النظام بشفافية كاملة. الفارق هو في وجود عمليات مراجعة صارمة وتحرير أكاديمي محترف.

كيف نميز بين مجلة مفتوحة موثوقة وأخرى مفترسة

يمكن التعرف على المجلات المفتوحة الموثوقة من خلال إدراجها في قاعدة DOAJ، أو من خلال وجود بيانات واضحة عن هيئة التحرير، وبيان أخلاقيات النشر (Publishing Ethics Statement).
بينما المجلات المفترسة غالبًا ما تفتقر إلى هذه المعلومات أو تضع بيانات عامة وغير موثقة.
أيضًا، يجب التأكد من أن الناشر عضو في منظمات معترف بها مثل COPE (Committee on Publication Ethics) أو OASPA (Open Access Scholarly Publishers Association)، وهما مؤشران مهمان على المصداقية.


المؤتمرات المفترسة (Predatory Conferences)

كيف تعمل هذه المؤتمرات المزيفة

تسير المؤتمرات المفترسة على نفس نهج المجلات المفترسة، إذ تُنظم فعاليات شكلية تحت شعار “مؤتمر علمي دولي” دون أي تقييم علمي للأبحاث المقدمة.
غالبًا تُقام هذه المؤتمرات في فنادق أو عبر الإنترنت، وتستهدف الباحثين الذين يبحثون عن فرصة سهلة لإضافة “مشاركة دولية” إلى سيرهم الذاتية.
ما يميزها هو التنظيم السريع، والقبول الفوري للأبحاث، والمطالبة برسوم مشاركة مرتفعة.

تُرسل دعوات عبر البريد الإلكتروني إلى آلاف الباحثين حول العالم، ويُستخدم فيها أسلوب تسويقي مضلل، مثل ذكر أسماء جامعات حقيقية أو منظمات غير مرتبطة بها أصلًا.

أمثلة على مؤتمرات احتيالية

شهدت السنوات الماضية أمثلة متعددة على مؤتمرات مفترسة أعلنت عن جلسات علمية وهمية. في بعض الحالات، تبين أن أسماء المتحدثين الرئيسيين كانت مزيفة، أو تم استخدام أسماء علماء دون إذنهم.
كما وُجدت مؤتمرات أخرى تربط نفسها بمجلات مفترسة، حيث يُعرض على المشاركين نشر أبحاثهم في “مجلة علمية” بعد المؤتمر مقابل رسوم إضافية.
مثل هذه الممارسات تضر بسمعة الباحث وتقلل من قيمة مشاركاته الأكاديمية، لذلك من الضروري التحقق من الجهة المنظمة وأسماء المشاركين قبل التسجيل في أي فعالية علمية.


الأبعاد القانونية والأخلاقية

حقوق النشر والترخيص المزيف

تتجاوز خطورة المجلات المفترسة حدود الأكاديمية لتصل إلى الجانب القانوني. كثير من هذه المجلات تطلب من الباحثين التوقيع على عقود نشر غير واضحة، مما يجعل حقوقهم الفكرية عرضة للضياع.
في بعض الحالات، تستولي المجلات المفترسة على الأبحاث وتنشرها دون إذن، أو تمنع الباحث من إعادة نشر عمله في مجلة أخرى أكثر مصداقية.
كما أن بعض هذه الدور تستخدم تراخيص مزيفة تشبه تراخيص Creative Commons الشرعية، لكنها في الواقع لا تمتلك أي صلاحية قانونية.
لذلك، يجب على الباحث قراءة عقد النشر بدقة قبل الموافقة، والتأكد من أن حقوق الملكية الفكرية محفوظة وفقًا للقوانين الدولية.

السلوك الأكاديمي غير الأخلاقي

النشر في المجلات المفترسة لا يُعد فقط خطأً إداريًا، بل يُعتبر خرقًا لمبادئ الأخلاقيات الأكاديمية. إذ أن الباحث الذي يتعامل مع مجلة احتيالية يساهم دون قصد في نشر المعرفة المضللة وتقويض الثقة بالبحث العلمي.
في بعض الجامعات، قد يؤدي النشر في مجلات مفترسة إلى رفض الأبحاث ضمن ملف الترقية، أو حتى المساءلة التأديبية في حال تكرار المخالفة.
من الناحية الأخلاقية، يتحمل الباحث مسؤولية التأكد من مصداقية المجلة التي ينشر فيها، لأن العلم لا يقوم فقط على إنتاج المعرفة، بل أيضًا على الحفاظ على نزاهتها.


دور التكنولوجيا في مكافحة النشر المفترس

أدوات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المجلات الاحتيالية

في السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي حليفًا مهمًا في مكافحة المجلات المفترسة. فقد طُورت خوارزميات قادرة على تحليل أنماط النشر وتحديد السلوكيات المشبوهة.
تقوم هذه الأنظمة بمقارنة بيانات المجلات مع قواعد بيانات عالمية معتمدة، وتكشف التناقضات مثل أسماء المحكمين غير الحقيقية أو التكرار غير المنطقي في مواعيد النشر.
بعض الجامعات بدأت تستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي داخلية تقوم بتصفية المجلات تلقائيًا قبل إدراجها في قوائم النشر المعتمدة. هذه التقنيات ساهمت في تقليل عدد الأبحاث المنشورة في مجلات غير موثوقة.

الشفافية الرقمية والمستودعات المؤسسية

التحول نحو الشفافية الرقمية ساهم أيضًا في الحد من انتشار النشر المفترس. إذ بدأت الجامعات والمراكز البحثية بإنشاء مستودعات إلكترونية مؤسسية تضم الأبحاث المنشورة لأعضاء هيئة التدريس، مع توثيق بيانات المجلات ومؤشرات مصداقيتها.
هذه الخطوة تساعد الجهات الأكاديمية والتمويلية في التحقق من شرعية المجلات، كما تمنح الباحثين وسيلة آمنة لنشر أعمالهم في بيئة مفتوحة ومراقبة.
ومن المتوقع أن تزداد أهمية هذه المستودعات خلال السنوات القادمة كبديل أكثر أمانًا وموثوقية من النشر في دوريات غير معترف بها.


 المجلات المفترسة في العالم العربي

لماذا يستهدفون الباحثين العرب؟

تُعد المنطقة العربية من أكثر المناطق استهدافًا من قبل المجلات المفترسة، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل.
أولًا، هناك ضغط متزايد على الباحثين للنشر من أجل الترقية الأكاديمية، مما يدفع بعضهم إلى البحث عن طرق سريعة للنشر دون تحقق كافٍ.
ثانيًا، ضعف التدريب في مجال النشر العلمي وقلة الوعي بالمعايير الدولية يجعل الباحثين أكثر عرضة للوقوع في الفخ.
ثالثًا، وجود فجوة لغوية بين الباحثين العرب والمجلات الأجنبية يؤدي أحيانًا إلى الاعتماد على مصادر تبدو عربية أو “محلية” لكنها في الواقع مفترسة.

إضافة إلى ذلك، تستغل بعض المجلات المفترسة ضعف الرقابة المؤسسية في الجامعات العربية، فتنشئ مواقع تبدو عربية الهوية، وتستخدم أسماء أكاديمية عربية لإضفاء الشرعية على نشاطها.

مبادرات عربية لمواجهة الظاهرة

في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر جهود جادة في العالم العربي لمكافحة المجلات المفترسة. على سبيل المثال، أطلقت بعض الجامعات الخليجية والجامعات في مصر والأردن قوائم محدثة للمجلات المقبولة للنشر، مع تحذيرات من الدوريات المشبوهة.
كما أصدرت المجالس العلمية العربية توصيات بضرورة اعتماد قواعد بيانات دولية لتقييم المجلات، وتشجيع النشر في مجلات مدرجة ضمن Scopus وDOAJ.
هناك أيضًا مبادرات من اتحادات الجامعات العربية تهدف إلى رفع الوعي، مثل إقامة ورش عمل للباحثين الجدد حول كيفية التحقق من مصداقية المجلات.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن الوعي المتزايد في الأوساط الأكاديمية العربية يمثل خطوة مهمة نحو الحد من هذه الظاهرة.


توصيات الخبراء وأفضل الممارسات

نصائح من المحررين والباحثين المتمرسين

يؤكد الخبراء في مجال النشر الأكاديمي أن أفضل وسيلة لحماية نفسك من المجلات المفترسة هي التحقق المسبق والتأنّي قبل اتخاذ قرار النشر.
من أهم النصائح العملية التي يقدمها المحررون:

  1. تحقق من فهرسة المجلة في قواعد البيانات الموثوقة مثل Scopus أو Web of Science.

  2. ابحث عن اسم المجلة عبر الإنترنت مع كلمة “predatory” أو “fake” لترى ما إذا كانت هناك تحذيرات أو نقاشات عنها في المنتديات الأكاديمية.

  3. اقرأ بعض المقالات المنشورة فيها لتقييم جودة اللغة والمنهجية والتحكيم.

  4. راجع قائمة هيئة التحرير وتأكد من أن الأسماء حقيقية وتنتمي إلى جامعات معروفة.

  5. احذر من العروض المغرية بالنشر السريع أو بأسعار رمزية، فالعلم لا يُقاس بالسرعة بل بالجودة.

بناء ثقافة الوعي في المؤسسات الأكاديمية

لا يمكن مكافحة ظاهرة المجلات المفترسة من خلال الأفراد فقط، بل يجب أن تكون هناك سياسة مؤسسية واضحة داخل الجامعات.
ينبغي أن تشمل هذه السياسة:

  • إعداد برامج تدريبية للباحثين الجدد حول النشر العلمي.

  • نشر قوائم دورية بالمجلات الموثوقة والممنوعة.

  • دمج مفهوم “الأمانة العلمية والنزاهة البحثية” ضمن المناهج الجامعية وبرامج الدراسات العليا.
    كما يجب أن تتعاون الجامعات العربية مع المؤسسات الدولية لتبادل المعلومات حول المجلات المشبوهة. فمكافحة النشر المفترس مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا واستباقية.


الخاتمة

تُعتبر المجلات المفترسة (Predatory Journals) أحد أخطر التحديات التي تواجه البحث العلمي في العصر الحديث. فهي لا تسرق فقط أموال الباحثين، بل تسرق أيضًا قيمة المعرفة وثقة المجتمع العلمي.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتطلب فقط وعيًا فرديًا، بل جهدًا مؤسسيًا مستمرًا من الجامعات والمجالس البحثية لتطوير سياسات واضحة للحد من انتشارها.
على الباحث أن يتذكر دائمًا أن النشر الأكاديمي ليس مجرد وسيلة للترقية أو الشهرة، بل هو مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع العلمي.
ومن خلال الالتزام بالتحقق، والشفافية، والاختيار الصحيح للمجلات، يمكننا جميعًا المساهمة في بناء بيئة بحثية نظيفة وموثوقة تعزز جودة المعرفة الإنسانية.


الأسئلة الشائعة (FAQs)

1. ما أبرز العلامات التي تدل على أن المجلة مفترسة؟
أهم العلامات هي غياب التحكيم العلمي، أخطاء لغوية على الموقع الإلكتروني، ووعود بالنشر السريع مقابل رسوم مالية. كذلك، عدم وجود فهرسة رسمية في قواعد البيانات المعروفة مؤشر خطر واضح.

2. كيف يمكنني التأكد من أن المجلة مدرجة في قاعدة بيانات موثوقة؟
يمكنك زيارة مواقع مثل Scopus أو DOAJ أو Web of Science والبحث باسم المجلة أو رقمها التسلسلي (ISSN). إذا لم تظهر في النتائج، فهي غالبًا غير معترف بها.

3. ماذا يحدث إذا نشرت في مجلة مفترسة بالخطأ؟
في حال وقوعك في هذا الموقف، يُفضل توثيق المراسلات مع المجلة والتواصل مع جامعتك أو الجهة الأكاديمية لإيضاح الموقف. لا يُنصح بإعادة نشر البحث في مجلة أخرى دون استشارة قانونية أو أكاديمية.

4. هل كل المجلات المفتوحة الوصول (Open Access) مفترسة؟
قطعًا لا. هناك العديد من المجلات المفتوحة الوصول الموثوقة والمعترف بها عالميًا. الفرق هو في وجود عملية تحكيم واضحة، وشفافية مالية، وعضوية في منظمات مثل COPE أو OASPA.

5. كيف يمكن للجامعات حماية باحثيها من هذه المجلات؟
عن طريق إعداد دورات توعوية، وإنشاء قواعد بيانات داخلية للمجلات المعتمدة، وإلزام الباحثين باستخدام أدوات مثل Think. Check. Submit. قبل إرسال أبحاثهم.

6. هل توجد قائمة محدثة للمجلات المفترسة لعام 2025؟
نعم، توجد قوائم غير رسمية يتم تحديثها دوريًا عبر مواقع أكاديمية مستقلة، مثل النسخة المحدثة من Beall’s List وبعض قواعد بيانات الجامعات. لكن يُنصح دائمًا بالتحقق من أكثر من مصدر.

7. ما الفرق بين مجلة ضعيفة الجودة ومجلة مفترسة؟
المجلة ضعيفة الجودة قد تكون حقيقية لكنها لا تلتزم بمعايير النشر العالية، بينما المجلة المفترسة تقوم بعمليات احتيالية متعمدة، مثل التحكيم الزائف أو التلاعب بالمؤشرات لسرقة أموال الباحثين.

التعليقات

نبذة عن الكاتب

الكاتب: د. حصة العمري
الوظيفة: أستاذ مشارك / أكاديميّة وباحثة في مجال القياس والتقويم

 أستاذة متخصصة في القياس والتقويم، تهتم بتطوير أدوات التقييم التربوي وتحسين جودة التعليم. لها مساهمات بحثية وأكاديمية في مجال تقويم البرامج التعليمية وقياس نواتج التعلم

تعرف على خدماتنا
خدمة التحليل الإحصائي النوعي
icon
خدمة التحليل الإحصائي النوعي
خدمة التحليل المختلط بمنهجية Q
icon
خدمة التحليل المختلط بمنهجية Q
خدمة التحليل الإحصائي بلغة R
icon
خدمة التحليل الإحصائي بلغة R
خدمة التحليل الإحصائي ببرنامج E-Views
icon
خدمة التحليل الإحصائي ببرنامج E-Views
خدمة التحليل الإحصائي المتقدم بـ AMOS
icon
خدمة التحليل الإحصائي المتقدم بـ AMOS
خدمة تصور البيانات (Data Visualization) وإنشاء تقارير تفاعلية
icon
خدمة تصور البيانات (Data Visualization) وإنشاء تقارير تفاعلية
خدمة تصميم العروض التقديمية للمناقشة
icon
خدمة تصميم العروض التقديمية للمناقشة
خدمة الباحث المشارك (Co-Researcher Service)
icon
خدمة الباحث المشارك (Co-Researcher Service)
خدمة عمل كتاب إلكتروني وفق المعايير الأكاديمية
icon
خدمة عمل كتاب إلكتروني وفق المعايير الأكاديمية
خدمة كتابة ملخص البحث وترجمته للإنجليزية
icon
خدمة كتابة ملخص البحث وترجمته للإنجليزية
خدمة تلخيص الكتب والمراجع العربية والإنجليزية
icon
خدمة تلخيص الكتب والمراجع العربية والإنجليزية
خدمة تصميم البوسترات البحثية الاحترافية
icon
خدمة تصميم البوسترات البحثية الاحترافية
خدمة ترشيح المجلات العلمية المحكمة
icon
خدمة ترشيح المجلات العلمية المحكمة
خدمة التحليل الإحصائي للبحوث الطبية
icon
خدمة التحليل الإحصائي للبحوث الطبية
خدمة إعداد العروض الشفوية للمؤتمرات العلمية
icon
خدمة إعداد العروض الشفوية للمؤتمرات العلمية
احصل على استشارة مجانية من الخبراء
whatsapp