في السنوات الأخيرة، شهد العالم الأكاديمي انتشارًا واسعًا لظاهرة جديدة تهدد مصداقية البحث العلمي، وهي ظاهرة “المجلات المفترسة” أو ما يُعرف بالإنجليزية بـ Predatory Journals. هذه المجلات، التي تدّعي أنها علمية ومحكّمة، تستغل حاجة الباحثين للنشر الأكاديمي، خصوصًا أولئك الساعين للترقي أو الحصول على الاعتراف الأكاديمي.
تُغري هذه المجلات الباحثين بعروض مغرية مثل النشر السريع أو رسوم منخفضة، لكنها في الواقع تفتقر لأبسط معايير الجودة والتحكيم العلمي. والنتيجة هي إنتاج كمٍّ هائل من الأبحاث التي لا تستوفي الشروط الأكاديمية الصحيحة، مما يضر بسمعة الباحثين والجامعات على حد سواء.
في هذا المقال، سنتعرف بالتفصيل على ماهية المجلات المفترسة، وخصائصها، وأخطارها على المجتمع الأكاديمي، مع تقديم نصائح عملية تساعد الباحثين على تجنب الوقوع في فخها.
فهم المجلات المفترسة
تعريف المجلات المفترسة
المجلات المفترسة هي دوريات تنشر أبحاثًا علمية دون الالتزام بالمعايير الأكاديمية المطلوبة، مثل مراجعة الأقران أو التحقق من جودة البحث. هدفها الأساسي ليس خدمة المعرفة، بل تحقيق الربح المالي من رسوم النشر التي يدفعها الباحثون.
غالبًا ما تدّعي هذه المجلات أنها محكّمة أو مدرجة في قواعد بيانات معروفة مثل Scopus أو Web of Science، في حين أنها لا تمتلك أي اعتراف رسمي من تلك المنصات.
نشأة وتطور الظاهرة
ظهرت ظاهرة المجلات المفترسة في بداية الألفية الجديدة مع انتشار مفهوم النشر المفتوح (Open Access). كانت الفكرة الأصلية للنشر المفتوح نبيلة، تهدف إلى جعل المعرفة متاحة للجميع دون قيود مالية. إلا أن بعض الأفراد استغلوا هذا النظام لإنشاء مجلات زائفة تحقق أرباحًا من الباحثين الطامحين للنشر السريع دون تدقيق.
ومع مرور الوقت، تطورت هذه المجلات وأصبحت أكثر احترافية في مظهرها الإلكتروني، مما يجعل اكتشافها صعبًا حتى على الباحثين المتمرسين.
الأسباب التي أدت إلى انتشارها عالميًا
هناك عدة عوامل ساهمت في ازدهار هذا النوع من النشر، أبرزها الضغوط الأكاديمية التي تواجه الباحثين لنشر عدد كبير من الأبحاث في فترة قصيرة. كما أن سهولة إنشاء مواقع إلكترونية احترافية جعلت من السهل على أي جهة إطلاق مجلة “شكلية” لا تستوفي معايير الجودة.
إضافة إلى ذلك، ضعف الوعي الأكاديمي في بعض الدول النامية، وغياب الإشراف المؤسسي الفعّال، أدّيا إلى تفشي الظاهرة بشكل مقلق.
لماذا تشكل خطرًا على البحث العلمي؟
تكمن خطورة المجلات المفترسة في أنها تضعف مصداقية العلم ذاته. فعندما تُنشر أبحاث غير دقيقة أو غير محكّمة، تصبح النتائج العلمية المشكوك فيها جزءًا من الأدبيات الأكاديمية، مما يؤدي إلى تضليل الباحثين الآخرين، وتشويه سمعة المجتمعات البحثية بأكملها.
كما أن الباحث الذي ينشر فيها قد يتعرض لفقدان الثقة الأكاديمية، وربما رفض أبحاثه المستقبلية من قبل مجلات مرموقة.
الخصائص الأساسية للمجلات المفترسة
غياب مراجعة الأقران (Peer Review)
واحدة من أبرز السمات التي تميز المجلات المفترسة هي غياب نظام مراجعة الأقران الحقيقي. فبدلاً من أن تمر الأبحاث بعملية تقييم دقيقة من قبل خبراء مختصين، تُقبل الأوراق خلال أيام معدودة دون أي تعديل أو ملاحظات. هذا السلوك يتنافى تمامًا مع روح البحث العلمي، التي تقوم على التدقيق والتصحيح.
معايير نشر غير شفافة
المجلات المفترسة لا توضح سياساتها التحريرية بوضوح. لا توجد معلومات عن كيفية اختيار المحكمين، أو عن عملية التقييم، أو حتى عن آلية رفض الأوراق. وغالبًا ما تُدار هذه المجلات من قبل أشخاص مجهولين أو غير مؤهلين أكاديميًا.
رسوم نشر خفية أو مرتفعة
تستغل هذه المجلات الباحثين ماليًا، فبعد قبول الورقة مباشرة، تُطالبهم بدفع رسوم نشر غير متوقعة. أحيانًا تكون هذه الرسوم خفية ولا يتم الإعلان عنها مسبقًا، وأحيانًا أخرى تكون مبالغًا فيها دون مبرر علمي.
استخدام عوامل تأثير وهمية (Fake Impact Factors)
تقوم المجلات المفترسة بإنشاء مواقع إلكترونية تدّعي احتساب “عامل تأثير” مزيف بهدف الإيحاء بالمصداقية. وغالبًا ما تستخدم شعارات وهمية أو أسماء مشابهة لجهات حقيقية، مما يصعّب على الباحث العادي التفرقة بينها وبين المجلات الحقيقية.
مراسلات بريدية عدوانية
يرسل القائمون على هذه المجلات مئات الرسائل الإلكترونية إلى الباحثين، يعرضون فيها نشر الأبحاث بسرعة أو الانضمام إلى هيئة التحرير مقابل مبالغ مالية. هذه الرسائل عادة تكون غير رسمية وتخلو من التفاصيل الدقيقة حول آلية النشر أو التقييم.











