books

ما هي نظرية الاشتراط الإجرائي لسكنر؟

03 يناير 2026
عدد المشاهدات (58 مشاهدة)

تُعد نظرية الاشتراط الإجرائي (Operant Conditioning Theory) التي وضعها عالم النفس الأمريكي بورهوس فريدريك سكنر (B.F. Skinner) من أهم النظريات التي أسهمت في تطوير المدرسة السلوكية الحديثة، وفي تفسير آلية التعلم والسلوك الإنساني.
قدّم سكنر تصورًا جديدًا يختلف عن التصور الكلاسيكي لبافلوف، إذ لم يعد السلوك مجرد استجابة لمثير محدد، بل أصبح نتيجة لتفاعل الفرد مع نتائج أفعاله في البيئة.
بمعنى آخر، الإنسان لا يتعلم فقط من خلال ما يُقدَّم له من مثيرات، بل أيضًا من خلال العواقب التي تترتب على سلوكه — سواء كانت مكافأة أو عقابًا.

أحدثت نظرية سكنر ثورة في فهم التعلم، إذ أصبحت تُستخدم على نطاق واسع في التعليم، تعديل السلوك، التدريب المهني، وحتى في تطوير الأنظمة التعليمية الإلكترونية.


من هو بورهوس فريدريك سكنر (B.F. Skinner)؟

وُلِد بورهوس فريدريك سكنر عام 1904 في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة، ودرس الأدب الإنجليزي قبل أن يتجه لاحقًا إلى علم النفس التجريبي في جامعة هارفارد.
تأثر سكنر بأعمال علماء السلوك مثل جون واتسون وإيفان بافلوف، لكنه طوّر رؤيتهم لتصبح أكثر شمولًا، حيث ركز على نتائج السلوك (Consequences) بدلًا من المثيرات فقط.

حياته العلمية والفكرية

كرّس سكنر حياته للبحث في السلوك الإنساني والحيواني من خلال التجارب المعملية الدقيقة.
أشهر أعماله كانت في مجال الاشتراط الإجرائي، الذي طوّره من خلال سلسلة من التجارب التي استخدم فيها ما عُرف لاحقًا بـ “صندوق سكنر” لدراسة كيف تؤثر المكافآت والعقوبات على السلوك.
كتب سكنر عدة مؤلفات أثّرت في الفكر النفسي، مثل “Science and Human Behavior” و*”Walden Two”*، والتي طرح فيها رؤيته لمجتمع مثالي يعتمد على المبادئ السلوكية في تنظيم الحياة اليومية.

منهجه العلمي

كان سكنر يرى أن علم النفس يجب أن يركز على السلوك القابل للملاحظة والقياس، لا على العمليات الذهنية غير المرئية مثل التفكير أو المشاعر.
وبذلك أكمل مسار المدرسة السلوكية لكنه أعطاها بعدًا تجريبيًا دقيقًا من خلال تحليل العلاقة بين السلوك ونتائجه.


مفهوم الاشتراط الإجرائي

الاشتراط الإجرائي هو نوع من التعلم يحدث عندما يتم تعديل سلوك الفرد بناءً على النتائج التي تترتب عليه.
فإذا كانت نتيجة السلوك إيجابية، فإن احتمالية تكراره في المستقبل تزداد، أما إذا كانت النتيجة سلبية أو غير مرضية، فإن تكراره يقل أو يختفي.

بمعنى آخر، السلوك الإجرائي هو السلوك الذي “يعمل” على البيئة ليُنتج نتيجة معينة، وهذه النتيجة هي التي تحدد استمرار السلوك أو انطفاءه.

الفرق بين الاشتراط الكلاسيكي والإجرائي

يختلف الاشتراط الإجرائي عن الاشتراط الكلاسيكي (Classical Conditioning) الذي اكتشفه بافلوف.
في الاشتراط الكلاسيكي، يتم التعلم من خلال الربط بين مثيرين (مثل الجرس والطعام)، أما في الاشتراط الإجرائي، فإن التعلم يحدث من خلال ربط السلوك بنتيجته (مثل الحصول على مكافأة بعد القيام بعمل جيد).

في نموذج بافلوف يكون الكائن سلبيًا يتلقى المثير ويستجيب له، بينما في نموذج سكنر يكون نشطًا، يقوم بالسلوك ويختبر نتائجه.

فكرة “السلوك كنتاج للتعزيز أو العقاب”

يرى سكنر أن جميع السلوكيات — سواء البسيطة أو المعقدة — يمكن تفسيرها من خلال التعزيز (Reinforcement) أو العقاب (Punishment).
فالمجتمع، والتعليم، والعمل كلها أنظمة قائمة على هذه المبادئ:

  • السلوك الإيجابي يتم تعزيزه فيزداد حدوثه.

  • السلوك السلبي يُعاقب أو يُهمل فيختفي تدريجيًا.

بهذا المفهوم، يصبح الإنسان كائنًا متعلمًا باستمرار من خلال النتائج البيئية التي تُغذي سلوكه وتشكله.



تجارب سكنر (صندوق سكنر)

يُعد صندوق سكنر (Skinner Box) أحد أهم الابتكارات في تاريخ علم النفس التجريبي، وهو الأداة التي استخدمها سكنر لدراسة العلاقة بين السلوك والنتائج بطريقة علمية دقيقة.
كان هدفه من هذه التجارب هو فهم كيف يتعلم الكائن الحي من نتائج أفعاله، سواء كانت مكافأة أو عقوبة.

وصف التجربة الأساسية

قام سكنر بوضع فأر داخل صندوق مغلق يحتوي على رافعة صغيرة، وكلما ضغط الفأر على الرافعة، تسقط له قطعة طعام كمكافأة.
مع مرور الوقت، تعلم الفأر أن الضغط على الرافعة يؤدي إلى الحصول على الطعام، فبدأ بتكرار هذا السلوك بشكل متكرر — وهذا هو جوهر “الاشتراط الإجرائي”.

وفي تجارب أخرى، استخدم سكنر الحمام لتعليمهم نقر مفتاح معين للحصول على الحبوب، مما أثبت أن السلوك يمكن تشكيله تدريجيًا من خلال التعزيز الإيجابي.

العلاقة بين السلوك والاستجابة والنتيجة

من خلال هذه التجارب، لاحظ سكنر أن السلوك لا يحدث عشوائيًا، بل يتأثر بالنتائج التي تترتب عليه:

  • إذا تلت السلوك نتيجة مرضية (مثل الطعام أو المدح)، زادت احتمالية تكراره.

  • وإذا تلت السلوك نتيجة غير مرغوبة (مثل العقاب أو الحرمان)، تقل احتمالية تكراره.

ماذا تعني “الاستجابة الإجرائية”؟

الاستجابة الإجرائية هي السلوك الذي يعمل على البيئة لإحداث تغيير ما والحصول على نتيجة.
أي أن الفرد “يُجري” سلوكًا بإرادته ليؤثر على محيطه.
فمثلاً، الطالب الذي يدرس بجد ليحصل على درجات عالية، أو الطفل الذي يبتسم ليكسب رضا والديه — كلاهما يُظهران سلوكًا إجرائيًا ناتجًا عن توقع نتيجة إيجابية.


مبادئ نظرية الاشتراط الإجرائي

اعتمد سكنر في تفسير التعلم والسلوك على مجموعة من المبادئ الأساسية التي توضح كيف يتم اكتساب السلوك أو تعديله بناءً على نتائجه.

مبدأ التعزيز (Reinforcement Principle)

يُعد التعزيز أهم مبدأ في نظرية سكنر، ويقصد به أي إجراء يزيد من احتمال تكرار السلوك المرغوب.
قد يكون التعزيز إيجابيًا (منح مكافأة بعد السلوك) أو سلبيًا (إزالة شيء مزعج بعد السلوك).
فعلى سبيل المثال، عندما يمدح المعلم الطالب بعد إجابة صحيحة، فإن ذلك يُعزز السلوك ويجعله يتكرر في المستقبل.

مبدأ العقاب (Punishment Principle)

العقاب هو إجراء يُستخدم لتقليل احتمال تكرار السلوك غير المرغوب.
وقد يكون العقاب إيجابيًا (إضافة شيء مزعج، كالتوبيخ)، أو سلبيًا (حرمان الفرد من شيء مرغوب، كمنعه من اللعب).
لكن سكنر حذر من الإفراط في استخدام العقاب لأنه قد يؤدي إلى الخوف أو العدوانية بدلًا من التعلم الفعّال.

مبدأ الانطفاء (Extinction)

الانطفاء هو تلاشي السلوك عندما يتوقف التعزيز الذي كان يدعمه.
فعندما يتوقف المعلم عن مكافأة الطالب على المشاركة، تقل تدريجيًا رغبة الطالب في المشاركة.
وهذا المبدأ يُستخدم في تعديل السلوك غير المرغوب عن طريق إهماله وعدم تعزيزه.

مبدأ التشكيل (Shaping)

يُعتبر التشكيل من أكثر مبادئ سكنر دقة وإبداعًا.
ويُقصد به تشكيل السلوك المعقد تدريجيًا من خلال تعزيز الخطوات الصغيرة التي تقود إليه.
مثلاً، يمكن تدريب طفل على نطق كلمة جديدة من خلال مكافأته عند كل محاولة ناجحة حتى يصل إلى النطق الصحيح الكامل.

مبدأ التمييز والتعميم (Discrimination and Generalization)

  • التمييز: هو قدرة الفرد على التفرقة بين المواقف المختلفة، فيُظهر السلوك فقط في الموقف المناسب.
    مثال: الطالب الذي يتحدث في ساحة المدرسة لكنه يلتزم الصمت في الصف.

  • التعميم: هو تطبيق السلوك المتعلم في مواقف مشابهة.
    مثال: الطفل الذي تعلم قول “شكرًا” في البيت، يبدأ باستخدامها أيضًا في المدرسة.


أنواع التعزيز والعقاب في نظرية سكنر

قسّم سكنر التعزيز والعقاب إلى نوعين رئيسيين لكل منهما، لتوضيح كيفية تأثير النتائج على السلوك الإنساني.

التعزيز الإيجابي

هو تقديم مكافأة بعد السلوك المرغوب لزيادة احتمالية تكراره.
مثلاً: منح الطالب شهادة تقدير بعد نجاحه في الامتحان.
هذا النوع يُعتبر الأكثر استخدامًا في التعليم والتربية لأنه يشجع على التعلم بطريقة إيجابية.

التعزيز السلبي

هو إزالة مثير مزعج بعد السلوك الجيد.
مثلاً: إعفاء الطالب من واجب إضافي عندما يظهر تحسنًا في سلوكه الدراسي.
أي أن السلوك المرغوب يُكافأ بإزالة الشيء المزعج، مما يُحفز المتعلم على تكرار السلوك.


العقاب الإيجابي

هو إضافة مثير مزعج بعد السلوك غير المرغوب لتقليل حدوثه.
مثلاً: توبيخ الطالب عندما يتحدث أثناء الدرس.
لكن سكنر شدد على ضرورة استخدام هذا النوع بحذر، لأن نتائجه قد تؤدي إلى التوتر أو المقاومة.


العقاب السلبي

هو إزالة مثير مرغوب بعد السلوك غير المرغوب.
مثلاً: حرمان الطفل من مشاهدة التلفاز بسبب سلوك خاطئ.
ويُستخدم هذا الأسلوب على نطاق واسع في تعديل السلوك لأنه يُعلّم الفرد أن الأفعال السلبية تؤدي إلى فقدان الامتيازات.


أمثلة تطبيقية على أنواع التعزيز والعقاب

  1. في التعليم: استخدام النقاط والمكافآت لتحفيز الطلاب على الالتزام.

  2. في تربية الأطفال: تشجيع السلوك الإيجابي بالمدح والتجاهل المنضبط للسلوك السلبي.

  3. في العمل: تقديم مكافآت مالية للموظفين ذوي الأداء العالي، أو سحبها عند تدني الأداء.


نظرية الاشتراط الإجرائي لسكنر


المقارنة بين بافلوف وسكنر

رغم انتماء كلٍّ من إيفان بافلوف وبورهوس فريدريك سكنر إلى المدرسة السلوكية، فإن كلاً منهما قدّم نموذجًا مختلفًا في تفسير التعلم والسلوك الإنساني.
فبينما ركّز بافلوف على العلاقة بين المثير والاستجابة، ركّز سكنر على العلاقة بين السلوك ونتيجته.

الفروق الأساسية بين الاشتراط الكلاسيكي والإجرائي

المقارنة الاشتراط الكلاسيكي (بافلوف) الاشتراط الإجرائي (سكنر)
الهدف ربط مثير محايد بمثير طبيعي ربط السلوك بنتيجته
نوع السلوك استجابي لا إرادي (مثل اللعاب) إرادي مقصود (مثل الضغط على زر أو الإجابة)
العنصر الأساسي في التعلم المثير (Stimulus) النتيجة أو التعزيز (Consequence)
دور الكائن الحي سلبي، يستجيب فقط للمثيرات نشط، يبادر بالسلوك ويختبر نتائجه
طريقة التعلم عن طريق الاقتران بين المثيرات عن طريق المكافأة أو العقاب بعد السلوك
أهم التجارب تجربة جرس بافلوف مع الكلب تجربة صندوق سكنر مع الفأر والحمام

من خلال هذا الجدول، يتضح أن سكنر طوّر مفهوم التعلم ليشمل السلوك الإرادي الذي يمكن توجيهه أو تعديله من خلال النتائج، وليس فقط السلوك الفطري أو الانعكاسي.


التطبيقات التربوية لنظرية سكنر

أثّرت نظرية الاشتراط الإجرائي تأثيرًا كبيرًا في علم النفس التربوي وأساليب التدريس الحديثة، إذ قدّمت نموذجًا عمليًا لكيفية تعزيز السلوك الإيجابي وتحفيز المتعلمين داخل الصف الدراسي.

استخدام التعزيز في التعليم

أحد أهم التطبيقات التربوية هو استخدام التعزيز الإيجابي لتحفيز الطلاب على التعلم.
فالمعلم الذي يكافئ طلابه بالمدح أو العلامات الجيدة أو الجوائز الصغيرة يرسّخ لديهم السلوك المرغوب ويشجعهم على الاستمرار في بذل الجهد.
وهذا التعزيز لا يقتصر على المكافآت المادية، بل يشمل أيضًا التشجيع اللفظي والاهتمام الإيجابي.

تعديل السلوك الإيجابي في المدارس

تُستخدم مبادئ سكنر في وضع برامج تعديل السلوك داخل البيئة المدرسية، مثل:

  • تعزيز السلوكيات الجيدة (كالالتزام والاحترام).

  • تجاهل أو تقليل السلوكيات السلبية (كالفوضى أو المقاطعة).

  • استخدام العقاب التربوي المتزن عند الحاجة، لكن ضمن ضوابط إنسانية.

هذه البرامج أثبتت نجاحها في تحسين المناخ التعليمي وزيادة مشاركة الطلاب في الأنشطة الصفية.

استراتيجيات العقاب التربوي

يرى سكنر أن العقاب يمكن أن يكون مفيدًا إذا استُخدم باعتدال وبهدف التعليم لا الإيذاء.
ويجب أن يكون العقاب فوريًا وواضحًا، ويُفضل أن يتبعه تعزيز بديل للسلوك الصحيح حتى يتعلم المتعلم ما هو التصرف المطلوب.

برامج التعليم المبرمج (Programmed Learning)

من أهم إسهامات سكنر في التعليم تطويره لما يُعرف بـ التعليم المبرمج، وهو أسلوب يعتمد على تقسيم المادة التعليمية إلى خطوات صغيرة، مع تقديم تعزيز فوري بعد كل إجابة صحيحة.
ويُعتبر هذا المبدأ الأساس الذي قامت عليه فكرة التعليم الإلكتروني والتعلم الذاتي في العصر الحديث.


التطبيقات في تعديل السلوك الإنساني

تُعد نظرية سكنر من أكثر النظريات استخدامًا في برامج تعديل السلوك والعلاج السلوكي، سواء مع الأطفال أو المراهقين أو حتى البالغين، إذ تعتمد هذه البرامج على مبدأ أن السلوك يمكن تغييره بالتعزيز المنظم أو العقاب المدروس.

دور الاشتراط الإجرائي في العلاج السلوكي

في العلاج السلوكي، يُستخدم التعزيز الإيجابي لتقوية السلوكيات المرغوبة (مثل التواصل أو الالتزام بالعلاج)، بينما يُستخدم الانطفاء أو العقاب المعتدل لإزالة السلوكيات غير المرغوبة (مثل العدوانية أو الانسحاب الاجتماعي).
وقد أثبتت هذه الأساليب فعاليتها الكبيرة في علاج اضطرابات مثل التوحد واضطرابات القلق والإدمان.

إزالة السلوكيات غير المرغوبة

يُطبَّق مبدأ الانطفاء من خلال تجاهل السلوك السلبي وعدم تعزيزه.
فعندما يلاحظ الطفل أن سلوكه العدواني لا يجذب الانتباه، يتراجع تدريجيًا عن هذا السلوك.
كما تُستخدم استراتيجيات مثل “التعزيز التفاضلي” لتعزيز السلوكيات المقبولة بدلاً من غير المرغوبة.

تعزيز السلوكيات الإيجابية

يركز سكنر على أن المدح، والثناء، والمكافآت الرمزية هي أدوات فعالة لتثبيت السلوك الإيجابي.
ففي بيئة العمل مثلاً، يؤدي الاعتراف بإنجاز الموظف إلى زيادة دافعيته للإنتاج، بينما في البيت، يشجع الثناء الطفل على السلوك الحسن دون الحاجة إلى العقاب.

استخدام التقنية في تعديل السلوك

في العصر الحديث، تم توظيف مبادئ سكنر في تطبيقات رقمية متقدمة مثل برامج تعديل العادات والتدريب الذاتي عبر الهواتف الذكية، حيث يتم تقديم تعزيز فوري للمستخدم بعد تحقيق هدف معين (مثل ممارسة الرياضة أو الامتناع عن التدخين).
وهذا يُعد امتدادًا رقميًا لفكرة سكنر حول “التعزيز الفوري” التي أثبتت فعاليتها في ترسيخ السلوك الإيجابي.


من نحن – دراسة الأفكار للبحث والتطوير


الانتقادات الموجهة لنظرية سكنر

رغم أن نظرية الاشتراط الإجرائي لسكنر تُعتبر من أكثر النظريات تأثيرًا في علم النفس والسلوك الإنساني، فإنها لم تَخلُ من الانتقادات. فقد وُجّهت إليها ملاحظات علمية وفكرية تتعلق بمدى شمولها للسلوك الإنساني الحقيقي.

التركيز على السلوك الظاهر وإهمال العمليات العقلية

يرى كثير من علماء النفس أن سكنر اختزل الإنسان في سلوكه الخارجي، وتجاهل الجوانب العقلية الداخلية مثل التفكير، العواطف، والدوافع.
فهو لم يهتم بما يحدث في “العقل” أثناء عملية التعلم، بل ركّز فقط على ما يمكن ملاحظته وقياسه.
بينما تشير نظريات التعلم الحديثة إلى أن العمليات الذهنية المعرفية (كالانتباه والفهم والذاكرة) تلعب دورًا حاسمًا في التعلم.

الموقف من الإرادة والحرية الإنسانية

انتُقد سكنر لأنه اعتبر أن الإنسان كائن موجه بالبيئة، وأن أفعاله ليست ناتجة عن إرادة حرة بل عن نتائج سابقة (التعزيز أو العقاب).
وقد رأى بعض الفلاسفة أن هذا التصور يُقلل من شأن المسؤولية الفردية والاختيار الحر، ويحصر الإنسان في دائرة “التحكم السلوكي”.

صعوبة تعميم النتائج على جميع السلوكيات الإنسانية

معظم تجارب سكنر كانت على الحيوانات (الفئران والحمام)، ثم تم تعميمها على الإنسان.
وقد أشار النقاد إلى أن السلوك الإنساني أكثر تعقيدًا وتنوعًا، ويتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية لا يمكن محاكاتها في المختبر.
لذلك، فالنظرية تُفسّر بعض جوانب السلوك، لكنها لا تفسّر جميعها.

الاعتماد المفرط على التعزيز والعقاب

رغم فعالية التعزيز في تغيير السلوك، فإن الاعتماد المفرط عليه قد يؤدي إلى تعلق الفرد بالمكافأة الخارجية بدلاً من الدافع الذاتي.
وهذا ما جعل بعض التربويين يطالبون بدمج مبادئ سكنر مع نظريات الدافعية الداخلية التي تشجع المتعلم على التعلم بدافع شخصي وليس خوفًا أو رغبة في المكافأة فقط.


أثر نظرية سكنر في علم النفس الحديث

على الرغم من الانتقادات السابقة، فإن نظرية سكنر تركت بصمة عميقة ودائمة في مجالات التعليم، وعلم النفس التطبيقي، وتعديل السلوك.

تأثيرها في ظهور التعلم السلوكي التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA)

يُعد التحليل السلوكي التطبيقي (ABA) أحد أهم تطبيقات نظرية سكنر في العصر الحديث.
ويُستخدم هذا النهج على نطاق واسع في علاج اضطرابات مثل التوحد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD).
حيث يعتمد المعالجون على مبادئ التعزيز الإيجابي لتقوية السلوكيات المناسبة وتقليل السلوكيات غير المرغوبة.

استخدامها في التعليم والتدريب المهني

تُعتبر أساليب التعليم المبرمج والتعلم القائم على التعزيز تطبيقًا مباشرًا لفكر سكنر.
وقد استفادت أنظمة التدريب الحديثة من هذه المبادئ في تصميم المناهج الإلكترونية وألعاب التعلم (Gamification) التي تقدم مكافآت فورية للمتعلمين.
كما تُستخدم مبادئ الاشتراط الإجرائي في تطوير أنظمة إدارة الأداء (Performance Management Systems) في بيئات العمل.

علاقتها بنظريات التعلم الحديثة

تمثل نظرية سكنر الأساس الذي بُنيت عليه الكثير من نظريات التعلم المعاصرة، مثل:

  1. النظرية المعرفية السلوكية (CBT) التي تمزج بين التفكير والسلوك.

  2. التعلم الذاتي (Self-Regulated Learning) الذي يستفيد من فكرة التعزيز الداخلي.

  3. التعلم الإلكتروني (E-Learning) الذي يعتمد على مبدأ التغذية الراجعة الفورية المستمدة من فلسفة سكنر.

يمكن القول إن سكنر لم يلغِ دور الإنسان، بل أرسى قاعدة علمية لفهم كيفية بناء السلوك وتنظيمه من خلال بيئته.


الخاتمة

أحدثت نظرية الاشتراط الإجرائي لسكنر تحولًا جذريًا في علم النفس، إذ قدّمت تفسيرًا علميًا واضحًا لكيفية اكتساب السلوك وتعديله من خلال التعزيز والعقاب.
لقد نقل سكنر التفكير النفسي من مرحلة التأمل النظري إلى مرحلة التحليل التجريبي للسلوك، وهو ما جعلها من أكثر النظريات تطبيقًا في التعليم، والإدارة، والعلاج السلوكي.

ورغم الانتقادات التي طالتها، فإن مبادئها ما زالت قائمة ومستخدمة حتى اليوم، خاصة في المجالات التي تتطلب تغيير السلوك أو تعزيزه بطرق منهجية ومدروسة.
إنها نظرية تُذكرنا بأن التعلم عملية مستمرة تُبنى من خلال التجربة، وأن البيئة هي المعمل الأكبر الذي يشكل سلوك الإنسان على مدى الحياة.


الأسئلة الشائعة (FAQs)

1. ما الفرق بين الاشتراط الإجرائي والاشتراط الكلاسيكي؟
في الاشتراط الكلاسيكي يتعلم الفرد من خلال الربط بين مثيرين، بينما في الاشتراط الإجرائي يتعلم من خلال النتائج التي تترتب على سلوكه (كالمكافأة أو العقاب).


2. ما المقصود بالتعزيز الإيجابي في نظرية سكنر؟
هو تقديم مكافأة أو نتيجة مرضية بعد السلوك الجيد بهدف زيادة احتمالية تكراره، مثل مدح الطالب أو منحه جائزة بعد أداء جيد.


3. ما أهم تطبيقات الاشتراط الإجرائي في التعليم؟
تُستخدم مبادئ سكنر في تصميم المناهج التعليمية، التعليم المبرمج، التعلم الإلكتروني، وبرامج تعديل السلوك داخل المدارس.


4. ما الانتقادات الموجهة إلى نظرية سكنر؟
تركز النظرية على السلوك الظاهر وتتجاهل الجوانب العقلية، كما تُقلل من دور الإرادة الإنسانية وتعتمد بشكل كبير على التعزيز والعقاب الخارجيين.


5. هل ما زالت نظرية سكنر صالحة للتطبيق اليوم؟
نعم، لكن بشكل مطور. تُستخدم مبادئها الآن في مجالات مثل التعليم الذكي، التدريب السلوكي، والتحليل التطبيقي للسلوك، مع دمجها بعناصر معرفية وإنسانية حديثة.

التعليقات

نبذة عن الكاتب

الكاتب: د. حصة العمري
الوظيفة: أستاذ مشارك / أكاديميّة وباحثة في مجال القياس والتقويم

 أستاذة متخصصة في القياس والتقويم، تهتم بتطوير أدوات التقييم التربوي وتحسين جودة التعليم. لها مساهمات بحثية وأكاديمية في مجال تقويم البرامج التعليمية وقياس نواتج التعلم

تعرف على خدماتنا
خدمة التحليل الإحصائي النوعي
icon
خدمة التحليل الإحصائي النوعي
خدمة التحليل المختلط بمنهجية Q
icon
خدمة التحليل المختلط بمنهجية Q
خدمة التحليل الإحصائي بلغة R
icon
خدمة التحليل الإحصائي بلغة R
خدمة التحليل الإحصائي ببرنامج E-Views
icon
خدمة التحليل الإحصائي ببرنامج E-Views
خدمة التحليل الإحصائي المتقدم بـ AMOS
icon
خدمة التحليل الإحصائي المتقدم بـ AMOS
خدمة تصور البيانات (Data Visualization) وإنشاء تقارير تفاعلية
icon
خدمة تصور البيانات (Data Visualization) وإنشاء تقارير تفاعلية
خدمة تصميم العروض التقديمية للمناقشة
icon
خدمة تصميم العروض التقديمية للمناقشة
خدمة الباحث المشارك (Co-Researcher Service)
icon
خدمة الباحث المشارك (Co-Researcher Service)
خدمة عمل كتاب إلكتروني وفق المعايير الأكاديمية
icon
خدمة عمل كتاب إلكتروني وفق المعايير الأكاديمية
خدمة كتابة ملخص البحث وترجمته للإنجليزية
icon
خدمة كتابة ملخص البحث وترجمته للإنجليزية
خدمة تلخيص الكتب والمراجع العربية والإنجليزية
icon
خدمة تلخيص الكتب والمراجع العربية والإنجليزية
خدمة تصميم البوسترات البحثية الاحترافية
icon
خدمة تصميم البوسترات البحثية الاحترافية
خدمة ترشيح المجلات العلمية المحكمة
icon
خدمة ترشيح المجلات العلمية المحكمة
خدمة التحليل الإحصائي للبحوث الطبية
icon
خدمة التحليل الإحصائي للبحوث الطبية
خدمة إعداد العروض الشفوية للمؤتمرات العلمية
icon
خدمة إعداد العروض الشفوية للمؤتمرات العلمية
احصل على استشارة مجانية من الخبراء
whatsapp