تُعد نظرية الانتشار الثقافي من أبرز النظريات التي حاولت تفسير أوجه التشابه بين الثقافات الإنسانية المختلفة، خاصة في المجتمعات التي تفصل بينها مسافات جغرافية واسعة. وقد ارتبطت هذه النظرية بعدد من رواد الأنثروبولوجيا، ومن بينهم ألفريد كروبر، الذي أسهم في تطوير الفهم العلمي لطبيعة الثقافة وآليات انتقالها بين الشعوب.
تركّز نظرية الانتشار الثقافي على فكرة أساسية مفادها أن العناصر الثقافية، مثل العادات والتقاليد والتقنيات واللغات، لا تنشأ دائمًا بشكل مستقل داخل كل مجتمع، بل تنتقل من مجتمع إلى آخر عبر الاتصال المباشر أو غير المباشر. ومن خلال هذا الانتقال تتكوّن أنماط ثقافية متشابهة في بيئات مختلفة.
في هذا المقال، سنعرض مفهوم نظرية الانتشار الثقافي عند كروبر، ونناقش أسسها الفكرية، وآلياتها، وأهم تطبيقاتها، إضافة إلى أبرز الانتقادات التي وُجّهت إليها، بما يساعد على فهم دورها في تفسير التغير الثقافي عبر التاريخ.
من هو ألفريد كروبر؟
ألفريد لويس كروبر (1876–1960) هو أحد أبرز علماء الأنثروبولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية، ويُعد من الجيل الأول الذي أسهم في تأسيس الأنثروبولوجيا الثقافية كعلم مستقل. تتلمذ كروبر على يد العالم الشهير فرانز بواس، الذي كان له تأثير كبير في تشكيل رؤيته العلمية، خاصة في ما يتعلق بأهمية دراسة الثقافة في سياقها الخاص.
عمل كروبر أستاذًا في جامعة كاليفورنيا، وأسهم في إنشاء أحد أوائل أقسام الأنثروبولوجيا في الولايات المتحدة. وقد اهتم بدراسة الثقافات الأصلية في أمريكا الشمالية، وترك مؤلفات علمية مهمة تناولت مفهوم الثقافة وتطورها وانتشارها.
إسهاماته في دراسة الثقافة
تميّز كروبر بطرحه لمفهوم “الثقافة الفائقة” أو ما يُعرف بـ “الفوق عضوي” (Superorganic)، حيث رأى أن الثقافة تمثل مستوى مستقلًا عن المستوى البيولوجي والنفسي للفرد. فالثقافة، وفقًا له، كيان يتجاوز الأفراد ويستمر عبر الأجيال، ولا يمكن تفسيره فقط من خلال الخصائص الفردية.
وقد مهّد هذا التصور لفهم الثقافة بوصفها منظومة متكاملة تنتقل عناصرها عبر الزمن ومن مجتمع إلى آخر، وهو ما يرتبط مباشرة بفكرة الانتشار الثقافي.
ما هي نظرية الانتشار الثقافي؟
يشير مفهوم الانتشار الثقافي إلى عملية انتقال العناصر الثقافية من مجتمع إلى آخر نتيجة الاتصال والتفاعل بين الجماعات البشرية. وتشمل هذه العناصر المعتقدات، واللغة، والملابس، والتقنيات، والأنماط الفنية، وغيرها من المكونات الثقافية.
وتفترض هذه النظرية أن أوجه التشابه بين الثقافات لا تعود بالضرورة إلى تطور متوازٍ مستقل، بل قد تكون نتيجة انتقال سمات ثقافية من مركز معين إلى مناطق أخرى عبر التجارة أو الهجرة أو الغزو أو التبادل الحضاري.
الأساس النظري لنظرية كروبر
يرى كروبر أن الثقافة ليست ثابتة أو مغلقة، بل هي في حالة تفاعل مستمر مع الثقافات الأخرى. ومن ثم فإن انتشار العناصر الثقافية يُعد آلية أساسية في تفسير التغير الثقافي. وقد أكّد أن دراسة الثقافة تتطلب تتبّع مسارات انتقال العناصر الثقافية وتحليل الظروف التي سمحت بانتشارها.
ويُظهر هذا الطرح أن كروبر لم ينظر إلى الثقافات باعتبارها كيانات معزولة، بل بوصفها وحدات متفاعلة تتأثر ببعضها بعضًا عبر الزمن.







