تُعد منهجية البحث العلمي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي بحث أكاديمي ناجح، إذ تحدد الطريق الذي يسلكه الباحث لجمع البيانات وتحليلها وتفسيرها.
اختيار المنهج المناسب سواء كان كمّيًا أو نوعيًا أو مختلطًا هو قرار منهجي مصيري، لأنه يؤثر في تصميم البحث، نوع البيانات، أدوات جمعها، وحتى في دقة النتائج النهائية.
الاختيار الخاطئ للمنهج قد يؤدي إلى ضعف المصداقية أو تضارب النتائج أو حتى رفض البحث من قبل اللجنة الأكاديمية.
لذلك يجب على الباحث أن يفهم طبيعة كل منهج، ومتى يكون استخدامه مناسبًا، وأن يستند في قراره إلى منطق علمي مرتبط بأهداف الدراسة ومشكلتها.
ما المقصود بمنهجية البحث العلمي؟
منهجية البحث هي الإطار المنهجي الذي يوجه الباحث في مراحل إعداد بحثه، بدءًا من تحديد المشكلة، مرورًا بجمع البيانات وتحليلها، وصولًا إلى تفسير النتائج.
هي بمثابة الخريطة التي تُظهر الطريق من سؤال البحث إلى الإجابة العلمية عليه.
يُعرَّف مفهوم “المنهج” في البحث العلمي بأنه الأسلوب المنظم الذي يستخدمه الباحث لاكتشاف المعرفة أو اختبار الفرضيات.
بمعنى آخر، هو الطريقة التي تساعد الباحث على الانتقال من الملاحظة إلى التفسير العلمي.
أهمية اختيار المنهج الصحيح لا تقتصر على الجانب الأكاديمي فقط، بل تمتد لتؤثر في جودة النتائج، وقابليتها للتطبيق، ومدى قبول البحث للنشر العلمي.
فعلى سبيل المثال، لا يمكن دراسة “تجربة المرضى مع الخدمات الطبية” باستخدام استبيان مغلق فقط، لأن ذلك لا يُظهر التجربة الشعورية أو السياق الاجتماعي، وهنا يكون المنهج النوعي أنسب.
أما إذا أراد الباحث معرفة “مدى رضا المرضى بنسبة مئوية قابلة للقياس”، فسيكون المنهج الكمي أكثر دقة وملاءمة.
أنواع منهجيات البحث العلمي
تُقسم منهجيات البحث العلمي عمومًا إلى ثلاثة أنواع رئيسية: المنهج الكمي، والمنهج النوعي، والمنهج المختلط.
كل نوع من هذه المناهج له فلسفته الخاصة في فهم الظواهر، وطريقة جمع البيانات، وأسلوب تحليلها.
المنهج الكمي (Quantitative Research)
يركز هذا المنهج على البيانات الرقمية القابلة للقياس والتحليل الإحصائي.
يهدف إلى اختبار الفرضيات، وتحديد العلاقات بين المتغيرات، واستخلاص النتائج التي يمكن تعميمها على مجتمع الدراسة.
غالبًا ما يُستخدم في العلوم التطبيقية والاجتماعية التي تسعى لقياس ظواهر محددة.
أمثلة تطبيقية:
-
في الإدارة: دراسة العلاقة بين القيادة التحفيزية ومستوى إنتاجية الموظفين.
-
في التربية: قياس أثر استخدام التقنية في تحسين تحصيل الطلاب.
-
في الصحة العامة: تحليل العلاقة بين العادات الغذائية ومعدل السمنة لدى فئة معينة من السكان.
أدواته تشمل الاستبيانات، الاختبارات، الملاحظات الكمية، والتحليل الإحصائي باستخدام برامج مثل SPSS أو Excel.
المنهج النوعي (Qualitative Research)
يركز على فهم الظواهر بعمق من خلال المعاني والسياقات، بدلاً من الأرقام.
يُستخدم عندما يسعى الباحث لاكتشاف تجارب الأفراد، أو تفسير سلوكياتهم، أو استكشاف قضايا جديدة لم تُدرس بعد.
يتميز بالمرونة، ويعتمد على البيانات النصية مثل المقابلات والملاحظات وتحليل المحتوى.
أمثلة تطبيقية:
-
في الطب: دراسة تجارب المرضى المصابين بأمراض مزمنة لفهم التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهونها.
-
في العلوم الاجتماعية: تحليل تجارب النساء في سوق العمل.
-
في التربية: دراسة تجارب المعلمين في تطبيق المناهج الجديدة.
المنهج النوعي لا يسعى للتعميم، بل للفهم المتعمق، وغالبًا ما يُستخدم عندما تكون المشكلة البحثية مفتوحة أو غير محددة مسبقًا.
المنهج المختلط (Mixed Methods Research)
هو المنهج الذي يجمع بين البيانات الكمية والنوعية في إطار واحد منسق،
ويسعى إلى الاستفادة من مزايا كلا المنهجين لتكوين صورة شاملة عن الظاهرة المدروسة.
يُستخدم المنهج المختلط عندما يكون من الضروري قياس الظاهرة رقمياً وفهمها تفسيريًا في الوقت نفسه.
فهو منهج تكاملي يناسب الأبحاث المعقدة التي تتطلب أكثر من نوع من البيانات.
أمثلة تطبيقية:
-
في الإدارة: دراسة أثر برامج التدريب على أداء الموظفين (قياس الأداء كميًا، واستكشاف آراء المشاركين نوعيًا).
-
في التعليم: تحليل فاعلية تطبيق معين في التعليم الإلكتروني، مع دراسة تجارب الطلاب تجاهه.
-
في الطب: تقييم نتائج برنامج توعوي صحي من حيث نسبة التحسن (كميًا) وتجارب المشاركين معه (نوعيًا).








