تُعد الدافعية من أهم العوامل المؤثرة في سلوك الأفراد داخل المنظمات، إذ ترتبط بشكل مباشر بمستوى الأداء والإنتاجية والالتزام الوظيفي. وقد سعت نظريات الإدارة وعلم النفس التنظيمي إلى تفسير الأسباب التي تدفع الأفراد إلى بذل الجهد في العمل، ومحاولة فهم العوامل التي تزيد من حماسهم أو تقلل منه.
ومن بين النظريات التي قدّمت تفسيرًا معرفيًا لسلوك الموظفين، تبرز نظرية التوقع لفيكتور فروم بوصفها واحدة من أهم نظريات التحفيز الحديثة. إذ ترى هذه النظرية أن الأفراد يتخذون قراراتهم المتعلقة بالجهد والأداء بناءً على توقعاتهم للنتائج التي سيحصلون عليها، وقيمة تلك النتائج بالنسبة لهم.
في هذا المقال، سنستعرض مفهوم نظرية التوقع، وعناصرها الأساسية، ومعادلتها الشهيرة، إضافة إلى أهم تطبيقاتها في بيئة العمل، مع توضيح أبرز المزايا والانتقادات المرتبطة بها.
نظريات الدافعية في الإدارة
تشير الدافعية إلى مجموعة القوى الداخلية والخارجية التي تحرّك سلوك الفرد وتوجّهه نحو تحقيق هدف معين. وفي بيئة العمل، ترتبط الدافعية بمدى استعداد الموظف لبذل الجهد من أجل أداء مهامه بكفاءة وتحقيق أهداف المنظمة.
ولا يقتصر مفهوم الدافعية على الرغبة في العمل فقط، بل يشمل أيضًا درجة الاستمرارية في الأداء، ومستوى الالتزام، والاستعداد لتحمل المسؤولية. ومن هنا، أصبح فهم الدافعية عنصرًا أساسيًا في إدارة الموارد البشرية.
تطور نظريات الدافعية
مرّت نظريات الدافعية بعدة مراحل تطورية. فقد ركزت النظريات الكلاسيكية، مثل نظرية ماسلو للحاجات ونظرية هيرزبرغ، على تصنيف الحاجات الإنسانية أو العوامل المؤثرة في الرضا الوظيفي. إلا أن هذه النظريات لم تفسر بشكل كافٍ كيفية اتخاذ الأفراد قراراتهم المتعلقة ببذل الجهد.
وفي هذا السياق، ظهرت النظريات المعرفية التي ركزت على العمليات الذهنية للأفراد، ومن أبرزها نظرية التوقع لفيكتور فروم، التي قدمت نموذجًا يربط بين الجهد والأداء والمكافأة بطريقة عقلانية ومنظمة.
من هو فيكتور فروم؟
فيكتور فروم هو عالم نفس كندي أمريكي، تخصص في علم النفس الصناعي والتنظيمي، واهتم بدراسة الدافعية واتخاذ القرار في بيئة العمل. وقدّم عام 1964 نظريته المعروفة باسم “نظرية التوقع”، التي أصبحت من الركائز الأساسية في مجال التحفيز الإداري.
تركزت أبحاث فروم على تفسير كيفية اختيار الأفراد بين بدائل سلوكية متعددة، وكيف تؤثر توقعاتهم للنتائج على قراراتهم المتعلقة بالعمل والأداء.
مكانة نظرية التوقع في الفكر الإداري
تُعد نظرية التوقع من النظريات المعرفية المهمة في الإدارة الحديثة، لأنها تربط بين التحفيز وعملية التفكير العقلاني. كما أنها تُستخدم على نطاق واسع في إدارة الموارد البشرية، خاصة عند تصميم أنظمة الحوافز وتقييم الأداء.
وقد أسهمت النظرية في نقل الاهتمام من مجرد إشباع الحاجات إلى فهم الطريقة التي يفكر بها الموظف عند اتخاذ قرار يتعلق ببذل الجهد.
ما هي نظرية التوقع لفيكتور فروم؟
تقوم نظرية التوقع على فكرة أساسية مفادها أن الفرد يختار سلوكه بناءً على توقعاته بأن هذا السلوك سيقوده إلى نتائج معينة، ومدى أهمية تلك النتائج بالنسبة له. بمعنى آخر، فإن الموظف سيبذل جهدًا أكبر إذا كان يعتقد أن جهده سيؤدي إلى أداء جيد، وأن الأداء الجيد سيؤدي إلى مكافأة ذات قيمة بالنسبة له.
وبالتالي، فإن الدافعية وفق هذه النظرية لا تعتمد فقط على وجود مكافأة، بل على قناعة الفرد بأن هناك علاقة واضحة بين الجهد المبذول والأداء المحقق، ثم بين الأداء والمكافأة.
الفرضية الأساسية للنظرية
تفترض النظرية أن الأفراد يتصرفون بطريقة عقلانية نسبيًا، إذ يقيمون البدائل المتاحة أمامهم، ويختارون السلوك الذي يتوقعون أنه سيحقق لهم أفضل النتائج. ولذلك، فإن ضعف التحفيز قد لا يعود إلى قلة المكافآت، بل إلى ضعف الثقة في العلاقة بين الجهد والنتيجة.
ومن هنا، أكدت نظرية التوقع أن التحفيز عملية حسابية ذهنية تعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية، سنستعرضها بالتفصيل في القسم التالي.









