books

نظرية الذات لكارل روجرز

04 يناير 2026
عدد المشاهدات (57 مشاهدة)

تُعد نظرية الذات لكارل روجرز من أهم النظريات في علم النفس الإنساني، إذ تمثل تحولًا جوهريًا في فهم الشخصية والسلوك الإنساني بعيدًا عن الاتجاهات السلوكية أو التحليلية الصارمة.
تقوم النظرية على فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن الإنسان يمتلك في داخله قدرة فطرية على النمو والتطور وتحقيق ذاته، وأن البيئة الداعمة التي توفر التقبل والاحترام تمكّنه من الوصول إلى أقصى إمكاناته.

تختلف هذه النظرية عن غيرها من المدارس النفسية لأنها تركّز على الجانب الإيجابي من الطبيعة الإنسانية، وترى أن الفرد قادر على توجيه حياته بنفسه إذا توفرت له الظروف المناسبة.
لقد قدّم كارل روجرز من خلال هذه النظرية نموذجًا إنسانيًا للعلاج والإرشاد النفسي، ساهم في إعادة تعريف العلاقة بين المعالج والمسترشد، وفي فهم الذات كعنصر محوري في الصحة النفسية.


نبذة عن كارل روجرز ومسيرته العلمية

من هو كارل روجرز؟

وُلد كارل رانسوم روجرز عام 1902 في ولاية إلينوي الأمريكية، ونشأ في أسرة محافظة تشجع على العمل الجاد والالتزام الأخلاقي.
درس الزراعة في البداية، ثم اتجه إلى اللاهوت، قبل أن يجد شغفه الحقيقي في دراسة علم النفس الإكلينيكي في جامعة كولومبيا.
خلال مسيرته الأكاديمية والمهنية، عمل روجرز في مؤسسات إرشادية ونفسية متعددة، مما مكّنه من تطوير رؤيته الخاصة حول كيفية فهم الإنسان وعلاجه النفسي.

مكانته في علم النفس الإنساني

يُعد روجرز أحد أبرز مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس، إلى جانب أبراهام ماسلو.
فهو رفض النظرة التشاؤمية التي قدّمها التحليل النفسي حول الإنسان باعتباره مخلوقًا تتحكم فيه الغرائز، كما رفض الحتمية السلوكية التي اختزلت الإنسان في ردود أفعال.
بدلاً من ذلك، قدّم روجرز رؤية متفائلة تعتبر الإنسان كائنًا عقلانيًا يسعى نحو تحقيق التوازن والنمو الذاتي.

أهم مؤلفاته وأعماله العلاجية

من أبرز مؤلفات كارل روجرز كتابه الشهير “العلاج المتمركز حول العميل” الصادر عام 1951، والذي أحدث ثورة في ميدان الإرشاد والعلاج النفسي.
كما كتب أيضًا “عن أن تكون إنسانًا” و**“نظرة نحو العلاج والتغيير والنمو”**، وهما من الكتب التي توضح فلسفته في التعامل مع الإنسان ككائن يمتلك إرادة وقدرة على التغيير من الداخل.
وقد ألهمت أفكاره العديد من البرامج النفسية الحديثة التي تركز على التنمية الذاتية والتوافق النفسي.


خلفية ظهور نظرية الذات

السياق التاريخي لنشوء النظرية

ظهرت نظرية الذات في منتصف القرن العشرين، في فترة شهدت تحولات فكرية كبيرة في علم النفس.
فبعد أن سيطر التحليل النفسي والسلوكية على المجال العلمي لعقود طويلة، جاء روجرز ليطرح منظورًا مختلفًا يركّز على الإنسان ككل متكامل وليس كمجموعة من الدوافع أو السلوكيات.
لقد تأثر بالمدرسة الظاهراتية (Phenomenology) التي تهتم بتجربة الفرد الذاتية وكيف يفسر العالم من منظوره الخاص.

العلاقة مع النظرية الإنسانية في علم النفس

تُعد نظرية الذات الركيزة الأساسية للمدرسة الإنسانية التي ظهرت كرد فعل على النظريات التي قللت من حرية الإنسان.
فالمدرسة الإنسانية ترى أن لكل إنسان ميلًا فطريًا نحو تحقيق ذاته وتحسين نفسه، وأن الفشل في ذلك لا يعود إلى ضعف داخلي، بل إلى بيئة غير داعمة.
وقد جعل روجرز من هذا المبدأ محورًا في نظريته وفي أسلوبه العلاجي الذي يهدف إلى مساعدة الفرد على اكتشاف ذاته وتحقيق إمكاناته.

رفض روجرز للمقاربات التحليلية والسلوكية

انتقد روجرز التحليل النفسي لأنه ركّز على الماضي واللاوعي، معتبرًا أن ذلك يُضعف إحساس الفرد بالمسؤولية عن حياته.
كما رفض السلوكية لأنها نظرت إلى الإنسان ككائن يُستثار ويستجيب دون وعي أو إرادة.
واقترح بدلاً من ذلك مقاربة جديدة تُسمى “العلاج المتمركز حول العميل”، حيث يُنظر إلى المسترشد كشخص واعٍ يمتلك الحلول بداخله، ودور المعالج هو توفير بيئة من القبول والتعاطف تساعده على النمو.



مفهوم الذات عند كارل روجرز

تُعد الذات (Self) المفهوم المركزي في نظرية كارل روجرز، إذ يرى أن فهم الإنسان لنفسه هو الأساس في تفسير سلوكه وتوافقه النفسي.
فالذات هي مجموعة الإدراكات والتصورات التي يحملها الفرد عن نفسه، وتشمل كيف يرى ذاته في الحاضر، وكيف يودّ أن يكون في المستقبل، وكيف يعتقد أن الآخرين يرونه.

تعريف الذات

عرّف روجرز الذات بأنها “مجموعة منظمة من الإدراكات والتصورات التي يحملها الفرد عن خصائصه وعلاقاته بالعالم المحيط”.
وهي ليست كيانًا ثابتًا، بل نظامًا ديناميكيًا يتغير باستمرار تبعًا للتجارب والخبرات التي يمر بها الإنسان.
فكل تجربة جديدة قد تؤثر في صورة الفرد عن نفسه، وقد تجعله يعيد تقييم قيمه وسلوكه.

الذات المدركة (Perceived Self)

هي صورة الفرد الواقعية عن نفسه كما يراها في الوقت الحاضر.
تشمل تصوراته عن قدراته، مظهره، شخصيته، دوره في الحياة، وعلاقاته بالآخرين.
هذه الصورة قد تكون واقعية أو مشوّهة تبعًا للخبرات السابقة، والتجارب الاجتماعية، ومدى التقبل الذي تلقاه من الآخرين.

الذات المثالية (Ideal Self)

هي الصورة التي يتمنى الفرد أن يكون عليها، أي الشكل المثالي الذي يسعى إليه في شخصيته أو سلوكه.
وعندما تكون الفجوة بين الذات المدركة والذات المثالية صغيرة، يعيش الفرد توافقًا نفسيًا وسلامًا داخليًا.
أما عندما تكون الفجوة كبيرة، فإنه يعاني من اضطراب أو صراع داخلي.

التوافق بين الذاتين كأساس للصحة النفسية

يرى روجرز أن التوافق (Congruence) بين الذات الواقعية والذات المثالية هو المعيار الأساسي للصحة النفسية.
فعندما يدرك الإنسان نفسه كما هي فعلاً، دون إنكار أو مبالغة، يصبح قادرًا على التكيف مع الواقع واتخاذ قرارات متوازنة.
أما عدم التوافق (Incongruence) فيحدث عندما يعيش الفرد صورة زائفة عن ذاته أو يسعى لإرضاء الآخرين على حساب حقيقته الداخلية.
وهذا يؤدي إلى القلق والتوتر وفقدان التوازن النفسي.


مكونات نظرية الذات

ترتكز نظرية كارل روجرز على مجموعة من المفاهيم النفسية التي تُشكل الإطار العام لفهم الذات وسلوك الإنسان.
وأبرز هذه المكونات هي الخبرة، التقدير الإيجابي، الصورة الذاتية، وتقدير الذات.

الخبرة (Experience)

الخبرة هي كل ما يعيشه الفرد من أحداث ومشاعر وأفكار.
ويرى روجرز أن الخبرات تشكل اللبنة الأساسية في بناء الذات، إذ تُخزّن في الذاكرة وتؤثر على صورة الفرد عن نفسه.
لكن ليست كل الخبرات تُستوعب بسهولة؛ فبعضها قد يتعارض مع مفهوم الفرد عن ذاته، فيقوم بإنكارها أو تجاهلها لحماية توازنه النفسي.

التقدير الإيجابي (Positive Regard)

يُعتبر التقدير الإيجابي من أهم عناصر النمو النفسي في نظرية روجرز.
ويقصد به الحاجة الإنسانية إلى أن يشعر الفرد بأنه مقبول ومحبوب من الآخرين دون شروط.
فالطفل الذي يتلقى حبًا غير مشروط من والديه يتطور ذاتيًا بطريقة صحية، بينما الذي يُحب بشروط (مثل النجاح أو الطاعة) يكوّن مفهومًا مضطربًا عن ذاته.
وهذا ما يُعرف بـ“التقدير الإيجابي المشروط”، الذي يؤدي لاحقًا إلى عدم التوافق النفسي.

الصورة الذاتية (Self-Image)

هي الطريقة التي يرى بها الفرد نفسه في مختلف المواقف.
وقد تكون هذه الصورة إيجابية حين يشعر بالكفاءة والجدارة، أو سلبية عندما يرى نفسه ضعيفًا أو فاشلًا.
ويرتبط بناء الصورة الذاتية ارتباطًا وثيقًا بطريقة تفاعل الفرد مع الآخرين ومدى احترامه لذاته.

تقدير الذات (Self-Esteem)

يشير إلى مدى رضا الفرد عن نفسه وإحساسه بالقيمة الشخصية.
فكلما شعر الإنسان بأنه محبوب ومقبول لذاته الحقيقية، ازداد تقديره لنفسه وثقته بقدراته.
أما انخفاض تقدير الذات فيؤدي إلى الشعور بالنقص والقلق والاعتماد المفرط على تقييم الآخرين.


المبادئ الأساسية في نظرية روجرز

تقوم نظرية الذات على مجموعة من المبادئ التي تعكس نظرة روجرز الإيجابية للطبيعة الإنسانية، وتوضح كيف يمكن للإنسان أن ينمو ويتطور نفسيًا.

تحقيق الذات (Self-Actualization)

يعتبر روجرز أن لكل إنسان نزعة فطرية نحو تحقيق ذاته، أي السعي المستمر لتطوير قدراته وإمكاناته بما يحقق التوازن الداخلي.
هذه النزعة ليست مجرد رغبة في النجاح، بل هي دافع أساسي للحياة، يدفع الإنسان ليصبح ما يستطيع أن يكونه فعلًا.

النزعة الإنسانية نحو النمو

يرى روجرز أن الإنسان بطبيعته يميل إلى الخير والتطور، وأن السلوكيات السلبية غالبًا ما تنشأ من بيئات مقيدة أو قمعية تحد من حريته.
فحين يعيش الفرد في بيئة تتسم بالتقبل والتفهم، فإنه ينمو بشكل صحي، بينما في البيئة الناقدة أو الرفضية، يطور أنماطًا دفاعية وسلوكًا غير متوازن.

الحرية والمسؤولية في تشكيل الذات

أكد روجرز أن الإنسان ليس ضحية للظروف أو الماضي، بل هو كائن حر يمتلك القدرة على اختيار مسار حياته.
لكن هذه الحرية يجب أن تكون مصحوبة بالمسؤولية، لأن تحقيق الذات لا يتم من خلال الفوضى أو الهروب، بل عبر الوعي بالاختيارات وتحمل نتائجها.

البيئة الداعمة للنمو النفسي

من أهم شروط النمو الذاتي وجود بيئة نفسية داعمة تتسم بـ:

  • التقبل غير المشروط (Unconditional Positive Regard).

  • التعاطف الصادق مع الفرد وفهم مشاعره.

  • الصدق والتطابق بين ما يقوله المعالج وما يشعر به فعلاً.
    عندما تتوفر هذه العناصر، يشعر الفرد بالأمان الكافي لاكتشاف ذاته الحقيقية وإعادة بناء مفهومه الذاتي.


كوادر أكاديمية متخصصة تضمن نجاحك العلمي

 


العلاقة بين مفهوم الذات والسلوك

يؤكد كارل روجرز أن الذات هي المصدر الرئيسي للسلوك الإنساني.
فما يفعله الفرد في حياته اليومية ينبع بدرجة كبيرة من الصورة التي يحملها عن نفسه، ومن مدى انسجام هذه الصورة مع تجاربه الواقعية.
بمعنى آخر، إن الإنسان لا يتصرف فقط استجابة للمثيرات الخارجية، بل بناءً على تقديره لذاته ولمكانته في العالم.


كيف توجه الذات السلوك الإنساني

يرى روجرز أن الإنسان يسلك سلوكًا يتفق مع مفهومه عن ذاته، أي مع الصورة التي يكونها عن نفسه.
فالفرد الذي يرى ذاته كشخص ناجح سيحاول الحفاظ على هذا الانطباع من خلال أفعال تعزز نجاحه، بينما من يرى نفسه فاشلًا قد يتجنب التحديات أو المواقف التي قد تبرز نقاط ضعفه.
وهكذا، تعمل الذات كـ”مرشح إدراكي” يحدد ما يراه الفرد ممكنًا أو مستحيلًا، وما يعتبره جديرًا بالتحقيق أو لا يستحق الجهد.

تأثير التقدير الإيجابي على الدافعية

يُعد التقدير الإيجابي من أهم العوامل التي تؤثر في دافعية الفرد نحو السلوك الإيجابي.
فعندما يتلقى الفرد الحب والقبول من الآخرين دون شروط، فإنه يصبح أكثر استعدادًا لتجربة خبرات جديدة واتخاذ قرارات ناضجة.
أما إذا كان القبول مشروطًا (مثل: “أحبك فقط عندما تنجح”)، فسيسعى الفرد إلى إرضاء الآخرين بدلًا من تحقيق ذاته، مما يخلق صراعًا داخليًا بين ما يريد فعله وما يُتوقع منه فعله.

دور الخبرة في إعادة بناء مفهوم الذات

يرى روجرز أن الخبرات الحياتية يمكن أن تغيّر مفهوم الفرد عن ذاته، خاصة عندما تكون هذه الخبرات إيجابية ومليئة بالتقبل.
على سبيل المثال، قد يغيّر شخص كان يعتقد أنه “غير قادر على النجاح” رأيه عن نفسه بعد أن يمر بتجربة ناجحة.
لكن هذا التغيير لا يحدث إلا إذا سمح الفرد بتجربة المشاعر بصدق، دون إنكار أو مقاومة.
فكل تجربة تُدمج داخل “الذات” تشكّل لبنة جديدة في بناء الشخصية.


نظرية التوافق النفسي عند روجرز

يشير روجرز إلى أن التوافق النفسي هو الانسجام بين الخبرة الفعلية ومفهوم الفرد عن ذاته.
فعندما تتطابق إدراكات الفرد لذاته مع واقعه وتجربته، يعيش حالة من التوازن والقبول الذاتي.
أما عندما يكون هناك تعارض بين ما يعيشه وما يعتقده عن نفسه، يظهر التوتر النفسي والقلق.

التوافق بين الخبرة والذات

في الحالة الصحية، يتمكن الفرد من استقبال الخبرات الجديدة دون خوف أو دفاعية، ويعيد تفسيرها بطريقة تنسجم مع ذاته.
فهو يتقبل نقاط قوته وضعفه معًا، ويعترف بمشاعره الحقيقية، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
وهذا الوعي الواقعي بالذات يجعله أكثر مرونة وقدرة على النمو.

حالات عدم التوافق (Incongruence)

يحدث عدم التوافق عندما تتناقض الخبرة الواقعية مع مفهوم الذات.
على سبيل المثال، قد يرى الفرد نفسه “إنسانًا لطيفًا”، لكنه يشعر بالغضب الشديد في موقف معين، فيحاول إنكار غضبه لأن هذا السلوك لا يتناسب مع صورته الذاتية.
مع الوقت، تتكرر مثل هذه الحالات فيُصاب الشخص بالقلق أو الانفصال عن ذاته الحقيقية.
ويرى روجرز أن هذا الصراع بين “الذات المدركة” و”الخبرة الحقيقية” هو المصدر الأساسي للاضطرابات النفسية.

مصادر القلق والتوتر النفسي

تنشأ معظم حالات القلق وفق روجرز من الفجوة بين الذات المثالية والذات الواقعية.
كلما حاول الإنسان العيش وفق توقعات الآخرين بدلًا من مشاعره وقيمه الأصيلة، زاد شعوره بالاغتراب النفسي.
أما العلاج، فيكمن في الاعتراف بالخبرات الداخلية دون إنكار، والقبول الذاتي غير المشروط الذي يعيد للفرد اتساقه الداخلي.


تطبيقات نظرية الذات في العلاج النفسي

تُعد نظرية الذات الأساس الذي قامت عليه المدرسة العلاجية المتمركزة حول العميل (Client-Centered Therapy)، وهي من أبرز إسهامات كارل روجرز في العلاج والإرشاد النفسي.
تقوم هذه المقاربة على مبدأ بسيط لكنه ثوري في وقته:
أن العميل (وليس المعالج) هو من يملك الحلول داخل ذاته، وأن دور المعالج هو فقط تهيئة المناخ العلاجي المناسب الذي يسمح للنمو النفسي بالحدوث بشكل طبيعي.

العلاج المتمركز حول العميل

في هذا النوع من العلاج، لا يفرض المعالج تفسيرات أو حلولًا جاهزة على المسترشد، بل يوفر له بيئة من التقبل التام تمكنه من التعبير عن نفسه بحرية.
يُشجَّع العميل على استكشاف مشاعره وأفكاره بعمق، دون خوف من الرفض أو الحكم.
ويعتقد روجرز أن مجرد “الاستماع الفعّال” في جو من الأمان النفسي كفيل بتحفيز عملية الشفاء الداخلي.

دور المعالج في التقبل غير المشروط

يرى روجرز أن نجاح العلاقة العلاجية يعتمد على ثلاثة شروط أساسية:

  1. التقبل غير المشروط: على المعالج أن يُظهر احترامًا وتقديرًا للعميل بغض النظر عن سلوكياته أو مشاعره.

  2. التعاطف (Empathy): أي أن يفهم المعالج تجربة العميل من وجهة نظره الخاصة.

  3. الصدق (Congruence): أي أن يكون المعالج صادقًا ومطابقًا بين مشاعره الداخلية وسلوكه الخارجي.

عندما تتوفر هذه الشروط، يشعر العميل بأنه محبوب ومقبول كما هو، فيبدأ تدريجيًا بالتخلي عن الدفاعات النفسية والانفتاح على ذاته الحقيقية.

الاستماع الفعّال والتعاطف مع العميل

من مهارات العلاج المتمركز حول العميل استخدام الاستماع الفعّال، أي الإصغاء العميق لما يقوله العميل وما لا يقوله أيضًا.
يُعيد المعالج صياغة كلام العميل ليشعر بأنه مفهوم ومقبول، مما يعزز الثقة ويُشجّع على التواصل الصادق.
هذا النوع من الحوار لا يهدف إلى النصيحة المباشرة، بل إلى تمكين العميل من اكتشاف ذاته بنفسه.

بناء الثقة وتحقيق النمو الذاتي

من خلال هذه العملية، يبدأ العميل بفهم مشاعره الحقيقية، ويعيد بناء مفهومه الذاتي بطريقة أكثر واقعية وتقبلاً.
وبذلك يتحقق هدف العلاج الإنساني: النمو الشخصي والتكامل الداخلي، وليس مجرد إزالة الأعراض السطحية.


الموقع الأول في المملكة العربية السعودية للخدمات الأكاديمية


تطبيقات نظرية الذات في التعليم والتربية

تجاوزت نظرية الذات نطاق العلاج النفسي لتترك أثرًا واضحًا في مجال التعليم والتربية، حيث استلهم المربّون مبادئ روجرز في بناء بيئة تعليمية تُراعي احتياجات الطالب الإنسانية والعاطفية، لا مجرد تحصيله الأكاديمي.

العلاقة بين احترام الذات والتحصيل الدراسي

يرى روجرز أن احترام الذات هو الأساس الحقيقي للتعلم الفعّال.
فالطلاب الذين يشعرون بالتقبل والثقة من معلميهم يصبحون أكثر انفتاحًا على الخبرة، وأكثر استعدادًا لاكتساب المعرفة.
في المقابل، عندما يُعامل المتعلم بنقد أو رفض مستمر، تنخفض دافعيته للتعلم ويصبح أكثر دفاعية.
لذلك، دعا روجرز إلى جعل المدرسة بيئة آمنة نفسيًا تُشجّع الطالب على التعبير عن ذاته بحرية دون خوف من الفشل أو الإهانة.

بناء بيئة تعليمية داعمة للنمو الشخصي

يجب أن يركّز المعلم، وفقًا لروجرز، على العلاقة الإنسانية مع الطلاب قبل التركيز على المقررات الدراسية.
فهو ليس ناقلًا للمعلومات فحسب، بل مرشد يساعد الطالب على اكتشاف ذاته وتنمية إمكاناته.
ويتحقق ذلك من خلال:

  • التواصل الإنساني القائم على الاحترام المتبادل.

  • تقبّل الاختلافات الفردية في القدرات.

  • منح الطلاب حرية الاختيار في عملية التعلم.

تعزيز التعلم الذاتي والإبداع في المدارس

يرى روجرز أن التعلم الحقيقي هو التعلم الذاتي الذي ينبع من اهتمام الطالب وفضوله الداخلي، وليس من الإكراه أو العقاب.
فعندما يشارك الطالب في اختيار موضوعات الدراسة، يشعر بالانتماء ويُبدع في البحث والاكتشاف.
وقد ساهمت هذه الفلسفة في تطوير أساليب مثل “التعليم المتمركز حول المتعلم” (Learner-Centered Education) التي تُعد امتدادًا عمليًا لأفكار روجرز.


مقارنة بين نظرية روجرز والنظريات الأخرى

لفهم مكانة نظرية الذات، من المهم مقارنتها مع المدارس الكبرى الأخرى في علم النفس، مثل التحليل النفسي والسلوكية والإنسانية عند ماسلو.

الفرق بين روجرز وفرويد (التحليل النفسي)

اختلف روجرز جذريًا مع سيغموند فرويد، الذي ركّز على اللاوعي والدوافع الجنسية كمحرّك للسلوك.
بينما يرى روجرز أن الإنسان ليس أسير ماضيه أو غرائزه، بل هو كائن عاقل يمتلك إرادة حرة وقدرة على النمو.
كما أن روجرز اعتبر أن العلاج النفسي يجب أن يُبنى على الثقة والتقبل، لا على التحليل أو الكشف عن “الصراعات المكبوتة”.
بمعنى آخر، بينما سعى فرويد إلى “تفسير” المريض، سعى روجرز إلى “فهمه”.

الفرق بين روجرز وسكنر (السلوكية)

ركّز بي. إف. سكنر على السلوك الظاهر فقط، وفسّر التعلم من خلال التعزيز والعقاب.
لكن روجرز رفض اختزال الإنسان في مثيرات واستجابات، مؤكدًا أن الدوافع الداخلية والذاتية هي التي تحكم السلوك الإنساني.
فهو يرى أن ما يميز الإنسان هو وعيه بذاته وقدرته على اتخاذ قرارات مبنية على القيم والمعنى، لا على المكافآت فقط.

أوجه التشابه مع نظرية ماسلو في تحقيق الذات

يتفق روجرز مع أبراهام ماسلو في أن الإنسان يسعى نحو تحقيق ذاته كأعلى مراحل النمو النفسي.
لكن بينما ركّز ماسلو على التسلسل الهرمي للاحتياجات (من الفسيولوجية حتى تحقيق الذات)، ركّز روجرز على العلاقة بين الذات والتجربة وكيف يمكن تعزيز التوافق بينهما لتحقيق النمو.
كلاهما يؤمن بأن الطبيعة الإنسانية في جوهرها إيجابية، وأن البيئة الداعمة هي المفتاح لإطلاق إمكاناتها.


الانتقادات الموجهة إلى نظرية الذات

على الرغم من مكانتها الرفيعة في علم النفس الإنساني، إلا أن نظرية الذات لم تسلم من النقد العلمي والمنهجي، خصوصًا من المدارس التي تتبنى مناهج تجريبية صارمة.

الطابع المثالي للنظرية وصعوبة قياسها علميًا

يرى النقاد أن روجرز قدّم تصورًا مثاليًا عن الإنسان، قائمًا على التفاؤل المفرط بقدرة الفرد على التغيير الذاتي.
كما أن مفاهيم مثل “تحقيق الذات” و“التقبل غير المشروط” يصعب قياسها تجريبيًا، مما يجعل النظرية أقل دقة من منظور علمي.
ولهذا، اعتبرها بعض الباحثين أقرب إلى الفلسفة الإنسانية منها إلى النظرية العلمية.

غياب الجانب الاجتماعي في تفسير الشخصية

ركّز روجرز على الفرد وعلاقته بذاته أكثر من تركيزه على العوامل الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في السلوك.
فالنقد الاجتماعي يرى أن الإنسان لا يمكن فهمه بمعزل عن بيئته الثقافية، وأن التفاعل الاجتماعي له دور جوهري في تكوين الذات، وهو ما أهملته النظرية إلى حد ما.

الاعتماد الزائد على الذات كمنطلق للفهم

يُلاحظ أن روجرز افترض أن جميع الأفراد يمتلكون القدرة على اتخاذ قرارات صائبة إذا تُركوا أحرارًا، بينما الواقع يظهر أن البعض يحتاج إلى توجيه بنّاء نتيجة اضطرابات أو صدمات نفسية عميقة.
كما أن الاعتماد الكامل على “العميل” في العلاج قد لا ينجح مع كل الحالات، خصوصًا الاضطرابات النفسية المعقدة التي تتطلب تدخلًا أكثر فاعلية.



أثر نظرية روجرز في علم النفس الحديث

ما زالت أفكار كارل روجرز حاضرة بقوة في علم النفس الحديث، إذ تمثل أساسًا لكثير من المفاهيم المعاصرة في العلاج النفسي، والتعليم، والتنمية الذاتية، وعلم النفس الإيجابي.
لقد ساهمت نظرية الذات في تحويل النظرة إلى الإنسان من كائن سلبي إلى كائن فاعل يمتلك القدرة على التغيير والنمو.

تأثيرها في تطوير مدارس العلاج الإنساني

تُعد نظرية روجرز الركيزة الأساسية لما يُعرف اليوم بـ المدرسة الإنسانية في العلاج النفسي، التي تعتمد على احترام الفرد وتقدير إمكاناته.
وقد ألهمت أفكاره العديد من الاتجاهات الحديثة مثل:

  • العلاج الوجودي (Existential Therapy) الذي يركّز على معنى الحياة والمسؤولية.

  • العلاج بالقبول والالتزام (ACT).

  • العلاج المعرفي الإنساني الذي يمزج بين التفكير العقلاني وفلسفة القبول الذاتي.

كما أثبتت الأبحاث أن العلاقة الإيجابية بين المعالج والعميل – وهي جوهر نظرية روجرز – تعد العامل الأهم في نجاح العلاج النفسي مهما كان الأسلوب العلاجي المستخدم.

دورها في علم النفس الإيجابي (Positive Psychology)

أثّرت أفكار روجرز بشكل واضح في تطور علم النفس الإيجابي الذي يركّز على النمو والقوة الإنسانية بدلاً من التركيز على الاضطرابات فقط.
فمفاهيم مثل “التقدير الذاتي”، و“التقبل غير المشروط”، و“تحقيق الذات” أصبحت اليوم أسسًا في برامج التنمية البشرية وبناء الشخصية المتوازنة.
كما ساهمت في توسيع فهم “الصحة النفسية” لتشمل الرفاهية والنمو الشخصي، لا مجرد غياب المرض.

استمرار قيمها في التعليم والإرشاد النفسي

تُستخدم مبادئ روجرز اليوم في تصميم برامج الإرشاد التربوي والمهني، حيث يتم التركيز على الإصغاء للطالب أو الموظف وفهم مشاعره ودوافعه قبل تقديم التوجيه.
كما أن أساليب التعليم الحديثة التي تضع المتعلم في مركز العملية التعليمية، مثل “التعلم الذاتي” و“التعلم القائم على الخبرة”، مستمدة مباشرة من فلسفة روجرز الإنسانية.


الخاتمة

إن نظرية الذات لكارل روجرز ليست مجرد نظرية نفسية، بل هي رؤية فلسفية وإنسانية عميقة للحياة.
لقد قدّمت فهمًا جديدًا لطبيعة الإنسان بوصفه كائنًا يمتلك القدرة على النمو الذاتي متى ما وُجد في بيئة من القبول والتفاهم.
وبفضل هذه النظرية، تحوّل العلاج النفسي من أسلوب سلطوي قائم على التشخيص، إلى علاقة إنسانية قائمة على التعاطف والثقة المتبادلة.

رغم الانتقادات التي وُجهت إليها، إلا أن نظرية الذات ما زالت من أكثر النظريات تأثيرًا في علم النفس الإنساني، لأنها منحت الإنسان المكانة التي يستحقها ككائن حر ومسؤول عن مصيره.
إنها تذكّرنا بأن الطريق نحو التوازن النفسي يبدأ من معرفة الذات وقبولها كما هي، وأن النمو الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل ينبع من الداخل.


الأسئلة الشائعة (FAQs)

1. ما المقصود بنظرية الذات عند كارل روجرز؟
هي نظرية تفسر السلوك الإنساني على أساس إدراك الفرد لذاته، وترى أن الإنسان يمتلك ميلًا فطريًا نحو النمو وتحقيق ذاته إذا توفر له التقبل والاحترام.


2. ما الفرق بين الذات المدركة والذات المثالية؟
الذات المدركة هي الصورة التي يرى بها الفرد نفسه حاليًا، أما الذات المثالية فهي الصورة التي يطمح أن يكون عليها.
كلما كانت الفجوة بينهما صغيرة، زاد التوافق النفسي والشعور بالرضا.


3. كيف يتحقق التوافق النفسي في نظرية روجرز؟
يتحقق عندما تتطابق خبرات الفرد الواقعية مع مفهومه عن ذاته، أي عندما يعيش بصدق ووعي دون إنكار لمشاعره أو تجاربه.


4. ما دور المعالج في العلاج المتمركز حول العميل؟
يقوم المعالج بتوفير بيئة من التقبل غير المشروط والتعاطف والصدق، مما يساعد العميل على اكتشاف ذاته وتعديل سلوكه بشكل طبيعي دون ضغط خارجي.


5. هل لا تزال نظرية الذات تُستخدم في العلاج الحديث؟
نعم، فهي تشكل الأساس لعدد كبير من أساليب العلاج الحديثة مثل العلاج الإنساني، العلاج بالقبول، والإرشاد الإيجابي، وما زالت مبادئها مطبقة في التعليم والإدارة أيضًا.

التعليقات

نبذة عن الكاتب

الكاتب: د. ريما العنزي
تعرف على خدماتنا
خدمة التحليل الإحصائي النوعي
icon
خدمة التحليل الإحصائي النوعي
خدمة التحليل المختلط بمنهجية Q
icon
خدمة التحليل المختلط بمنهجية Q
خدمة التحليل الإحصائي بلغة R
icon
خدمة التحليل الإحصائي بلغة R
خدمة التحليل الإحصائي ببرنامج E-Views
icon
خدمة التحليل الإحصائي ببرنامج E-Views
خدمة التحليل الإحصائي المتقدم بـ AMOS
icon
خدمة التحليل الإحصائي المتقدم بـ AMOS
خدمة تصور البيانات (Data Visualization) وإنشاء تقارير تفاعلية
icon
خدمة تصور البيانات (Data Visualization) وإنشاء تقارير تفاعلية
خدمة تصميم العروض التقديمية للمناقشة
icon
خدمة تصميم العروض التقديمية للمناقشة
خدمة الباحث المشارك (Co-Researcher Service)
icon
خدمة الباحث المشارك (Co-Researcher Service)
خدمة عمل كتاب إلكتروني وفق المعايير الأكاديمية
icon
خدمة عمل كتاب إلكتروني وفق المعايير الأكاديمية
خدمة كتابة ملخص البحث وترجمته للإنجليزية
icon
خدمة كتابة ملخص البحث وترجمته للإنجليزية
خدمة تلخيص الكتب والمراجع العربية والإنجليزية
icon
خدمة تلخيص الكتب والمراجع العربية والإنجليزية
خدمة تصميم البوسترات البحثية الاحترافية
icon
خدمة تصميم البوسترات البحثية الاحترافية
خدمة ترشيح المجلات العلمية المحكمة
icon
خدمة ترشيح المجلات العلمية المحكمة
خدمة التحليل الإحصائي للبحوث الطبية
icon
خدمة التحليل الإحصائي للبحوث الطبية
خدمة إعداد العروض الشفوية للمؤتمرات العلمية
icon
خدمة إعداد العروض الشفوية للمؤتمرات العلمية
احصل على استشارة مجانية من الخبراء
whatsapp