تُعد نظرية الذات لكارل روجرز من أهم النظريات في علم النفس الإنساني، إذ تمثل تحولًا جوهريًا في فهم الشخصية والسلوك الإنساني بعيدًا عن الاتجاهات السلوكية أو التحليلية الصارمة.
تقوم النظرية على فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن الإنسان يمتلك في داخله قدرة فطرية على النمو والتطور وتحقيق ذاته، وأن البيئة الداعمة التي توفر التقبل والاحترام تمكّنه من الوصول إلى أقصى إمكاناته.
تختلف هذه النظرية عن غيرها من المدارس النفسية لأنها تركّز على الجانب الإيجابي من الطبيعة الإنسانية، وترى أن الفرد قادر على توجيه حياته بنفسه إذا توفرت له الظروف المناسبة.
لقد قدّم كارل روجرز من خلال هذه النظرية نموذجًا إنسانيًا للعلاج والإرشاد النفسي، ساهم في إعادة تعريف العلاقة بين المعالج والمسترشد، وفي فهم الذات كعنصر محوري في الصحة النفسية.
نبذة عن كارل روجرز ومسيرته العلمية
من هو كارل روجرز؟
وُلد كارل رانسوم روجرز عام 1902 في ولاية إلينوي الأمريكية، ونشأ في أسرة محافظة تشجع على العمل الجاد والالتزام الأخلاقي.
درس الزراعة في البداية، ثم اتجه إلى اللاهوت، قبل أن يجد شغفه الحقيقي في دراسة علم النفس الإكلينيكي في جامعة كولومبيا.
خلال مسيرته الأكاديمية والمهنية، عمل روجرز في مؤسسات إرشادية ونفسية متعددة، مما مكّنه من تطوير رؤيته الخاصة حول كيفية فهم الإنسان وعلاجه النفسي.
مكانته في علم النفس الإنساني
يُعد روجرز أحد أبرز مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس، إلى جانب أبراهام ماسلو.
فهو رفض النظرة التشاؤمية التي قدّمها التحليل النفسي حول الإنسان باعتباره مخلوقًا تتحكم فيه الغرائز، كما رفض الحتمية السلوكية التي اختزلت الإنسان في ردود أفعال.
بدلاً من ذلك، قدّم روجرز رؤية متفائلة تعتبر الإنسان كائنًا عقلانيًا يسعى نحو تحقيق التوازن والنمو الذاتي.
أهم مؤلفاته وأعماله العلاجية
من أبرز مؤلفات كارل روجرز كتابه الشهير “العلاج المتمركز حول العميل” الصادر عام 1951، والذي أحدث ثورة في ميدان الإرشاد والعلاج النفسي.
كما كتب أيضًا “عن أن تكون إنسانًا” و**“نظرة نحو العلاج والتغيير والنمو”**، وهما من الكتب التي توضح فلسفته في التعامل مع الإنسان ككائن يمتلك إرادة وقدرة على التغيير من الداخل.
وقد ألهمت أفكاره العديد من البرامج النفسية الحديثة التي تركز على التنمية الذاتية والتوافق النفسي.
خلفية ظهور نظرية الذات
السياق التاريخي لنشوء النظرية
ظهرت نظرية الذات في منتصف القرن العشرين، في فترة شهدت تحولات فكرية كبيرة في علم النفس.
فبعد أن سيطر التحليل النفسي والسلوكية على المجال العلمي لعقود طويلة، جاء روجرز ليطرح منظورًا مختلفًا يركّز على الإنسان ككل متكامل وليس كمجموعة من الدوافع أو السلوكيات.
لقد تأثر بالمدرسة الظاهراتية (Phenomenology) التي تهتم بتجربة الفرد الذاتية وكيف يفسر العالم من منظوره الخاص.
العلاقة مع النظرية الإنسانية في علم النفس
تُعد نظرية الذات الركيزة الأساسية للمدرسة الإنسانية التي ظهرت كرد فعل على النظريات التي قللت من حرية الإنسان.
فالمدرسة الإنسانية ترى أن لكل إنسان ميلًا فطريًا نحو تحقيق ذاته وتحسين نفسه، وأن الفشل في ذلك لا يعود إلى ضعف داخلي، بل إلى بيئة غير داعمة.
وقد جعل روجرز من هذا المبدأ محورًا في نظريته وفي أسلوبه العلاجي الذي يهدف إلى مساعدة الفرد على اكتشاف ذاته وتحقيق إمكاناته.
رفض روجرز للمقاربات التحليلية والسلوكية
انتقد روجرز التحليل النفسي لأنه ركّز على الماضي واللاوعي، معتبرًا أن ذلك يُضعف إحساس الفرد بالمسؤولية عن حياته.
كما رفض السلوكية لأنها نظرت إلى الإنسان ككائن يُستثار ويستجيب دون وعي أو إرادة.
واقترح بدلاً من ذلك مقاربة جديدة تُسمى “العلاج المتمركز حول العميل”، حيث يُنظر إلى المسترشد كشخص واعٍ يمتلك الحلول بداخله، ودور المعالج هو توفير بيئة من القبول والتعاطف تساعده على النمو.







