تُعد نظرية السمات لجوردون ألبورت واحدة من أبرز النظريات في علم النفس التي تناولت تفسير الشخصية البشرية وفهم الفروق الفردية بين الناس.
وقد شكّلت هذه النظرية نقطة تحول في علم نفس الشخصية، لأنها نقلت الاهتمام من دراسة السلوك العام إلى تحليل السمات المستقرة التي تُكوّن شخصية الفرد وتوجه سلوكه عبر الزمن.
ألبورت لم يكن يسعى لوضع نموذج ميكانيكي للشخصية، بل أراد إبراز الطبيعة الفريدة لكل إنسان، معتبرًا أن الشخصية ليست مجرد استجابات متكررة، بل هي نظام متكامل من السمات التي تجعل الفرد مميزًا عن غيره.
ومن خلال عمله الرائد، مهّد الطريق لظهور العديد من النظريات اللاحقة مثل نظرية كاتل، ونموذج أيزنك، ونموذج العوامل الخمسة الكبرى (Big Five).
من هو جوردون ألبورت؟
وُلد جوردون أولبورت (Gordon Allport) عام 1897 في ولاية إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية، ونشأ في بيئة تهتم بالعلم والانضباط.
درس علم النفس في جامعة هارفارد، حيث تأثر بأفكار علم النفس الاجتماعي والإنساني، وعمل لاحقًا أستاذًا فيها لأكثر من 30 عامًا.
يُعتبر ألبورت من أوائل العلماء الذين حاولوا فهم الشخصية بطريقة علمية منظمة، مع الحفاظ على الجانب الإنساني في التحليل.
مكانته في تاريخ علم النفس
يُعد ألبورت أحد الرواد المؤسسين لعلم نفس الشخصية، إذ رفض التفسيرات السلوكية التي حصرت الإنسان في الاستجابة للمثيرات، وابتعد عن التحليل النفسي الذي ركّز على اللاوعي والصراعات الطفولية.
بدلاً من ذلك، قدّم نموذجًا علميًا يعتمد على السمات كعناصر أساسية لثبات الشخصية، ورأى أن الفرد يتسم بالاتساق في سلوكه عبر المواقف المختلفة نتيجة لوجود هذه السمات المستقرة.
دوافعه لوضع نظرية السمات
كان دافع ألبورت الأساسي هو رغبته في تطوير علم نفس واقعي وإنساني يفهم الإنسان كما هو في حاضره، لا كما كان في طفولته.
فقد رأى أن معظم المدارس النفسية السابقة إما تهتم بالماضي (كالتحليل النفسي)، أو تركز على السلوك الخارجي فقط (كالسلوكية).
لذلك، جاءت نظريته لتدمج بين الثبات والتفرد، حيث ركّز على السمات التي تميز كل إنسان وتجعل شخصيته فريدة رغم وجود سمات مشتركة بين الناس.
نشأة نظرية السمات في علم النفس
في بدايات القرن العشرين، بدأ علم النفس ينتقل من دراسة العمليات العقلية المجردة إلى دراسة الشخصية ككل متكامل.
كان هناك اهتمام متزايد بفهم ما يجعل سلوك الفرد ثابتًا نسبيًا رغم تغير المواقف، وهو ما دفع الباحثين إلى البحث عن خصائص دائمة تُميز الأفراد — وهنا برز مفهوم “السمة” بوصفها الوحدة الأساسية للشخصية.
رفض ألبورت للنماذج التحليلية والسلوكية
رفض ألبورت أفكار سيغموند فرويد التي فسّرت الشخصية بأنها ناتجة عن صراعات لا واعية، واعتبر أن هذا التوجه يقلل من شأن الوعي والإرادة الإنسانية.
كما انتقد السلوكيين مثل واتسون وسكنر لأنهم ركّزوا على السلوك القابل للملاحظة فقط دون الاهتمام بالعوامل الداخلية التي توجه هذا السلوك.
ورأى أن الشخصية الحقيقية لا يمكن فهمها إلا من خلال السمات الداخلية التي تفسر السلوك بعمق واستمرارية.
تأثره بعلم النفس الإنساني والمعرفي
تأثر ألبورت بالنزعة الإنسانية التي تؤكد على قيمة الفرد وقدرته على النمو والاختيار الحر.
كما تأثر بالنظرية المعرفية في تركيزها على الإدراك والتفسير الذاتي للمواقف.
وقد جمع في نظريته بين التحليل العلمي والاهتمام بالخبرة الذاتية للفرد، فكانت نظرية السمات مزيجًا بين العلم والإنسانية.









