يُعتبر علم النفس من أكثر العلوم تنوعًا واتساعًا في فروعه وأساليبه، فهو لا يكتفي بدراسة السلوك الظاهر، بل يحاول أيضًا فهم ما يدور داخل العقل من أفكار ودوافع ومشاعر.
ومنذ نشأته كعلم مستقل في أواخر القرن التاسع عشر، ظهرت العديد من المدارس الفكرية التي حاولت تفسير السلوك الإنساني من زوايا مختلفة.
ومع مرور الوقت، تبلورت أربع وجهات نظر رئيسية أصبحت تشكل الأساس الذي يقوم عليه علم النفس الحديث، وهي:
-
المنظور السلوكي
-
المنظور المعرفي
-
المنظور الإنساني
-
المنظور البيولوجي
كل واحدة من هذه المدارس تمثل طريقة فريدة في تفسير السلوك الإنساني؛ فبعضها يركز على تأثير البيئة، وبعضها على التفكير، وبعضها على النمو الذاتي، وبعضها على العمليات الجسدية والعصبية.
هذه التنوعات الفكرية ليست متعارضة بالضرورة، بل تكمل بعضها البعض لتقدم لنا فهمًا أكثر عمقًا وشمولًا للإنسان وسلوكه.
أولًا – المنظور السلوكي (Behavioral Perspective)
ظهر المنظور السلوكي في بدايات القرن العشرين على يد عدد من العلماء أبرزهم جون واطسون وبورهوس سكينر.
وقد جاء كردّ فعل على المناهج النفسية السابقة التي ركزت على التحليل الداخلي للعقل، مثل مدرسة التحليل النفسي، معتبرًا أن ما لا يمكن ملاحظته لا يمكن دراسته علميًا.
الفكرة الأساسية للمنظور السلوكي
يرى السلوكيون أن السلوك الإنساني ليس نتيجة للتفكير أو العواطف الداخلية، بل هو نتاج مباشر للتعلم من البيئة المحيطة.
فالإنسان – في نظرهم – يتعلم من خلال المثيرات الخارجية والاستجابات الناتجة عنها، وهو ما يُعرف بـ التعلم الشرطي.
هناك نوعان من هذا التعلم:
-
التعلم الشرطي الكلاسيكي (Classical Conditioning):
الذي اكتشفه بافلوف من خلال تجاربه على الكلاب، حين ربط بين صوت الجرس ووجود الطعام، فأصبحت الكلاب تسيل لعابها عند سماع الجرس حتى دون وجود الطعام. -
التعلم الإجرائي (Operant Conditioning):
الذي طوّره سكينر، ويقوم على مبدأ المكافأة والعقاب، حيث يتعلم الإنسان أن يكرّر السلوك الذي يؤدي إلى نتيجة إيجابية ويتجنب السلوك الذي يسبب نتيجة سلبية.
تطبيقات المنظور السلوكي
تُستخدم مبادئ هذا المنظور على نطاق واسع في تعديل السلوك، سواء في المدارس أو في علاج الاضطرابات النفسية.
فمثلًا، يمكن تدريب الأطفال على السلوكيات الإيجابية (كالالتزام أو الصدق) من خلال نظام مكافآت منتظم، أو علاج الرهاب والقلق بالتعرض التدريجي للمواقف المسببة للخوف.
الانتقادات الموجهة إليه
رغم نجاح المدرسة السلوكية في تقديم أسس علمية واضحة لدراسة السلوك، إلا أنها تعرضت للانتقاد لأنها تتجاهل العوامل الداخلية مثل التفكير والمشاعر والدوافع.
فهي، في نظر منتقديها، تعامل الإنسان كما لو كان آلة تستجيب للمؤثرات دون وعي أو إرادة، وهو ما يجعلها قاصرة عن تفسير التعقيد النفسي الحقيقي للإنسان.
ثانيًا – المنظور المعرفي (Cognitive Perspective)
مع منتصف القرن العشرين، ظهر المنظور المعرفي كردّ فعل على محدودية المدرسة السلوكية.
فقد رأى العلماء أن التركيز على السلوك الخارجي فقط لا يفسر كل شيء، لأن وراء كل سلوك عمليات عقلية داخلية مثل التفكير، والانتباه، والذاكرة، وحل المشكلات.
الأساس النظري للمدرسة المعرفية
يشبّه المنظور المعرفي العقل بالحاسوب، من حيث قدرته على استقبال المعلومات، ومعالجتها، وتخزينها، واسترجاعها عند الحاجة.
فالإنسان – وفق هذا الاتجاه – ليس مفعولًا به كما ترى السلوكية، بل هو فاعل ومحلل للمعلومات التي تصله من البيئة.
العمليات المعرفية الأساسية
تركز المدرسة المعرفية على دراسة مجموعة من العمليات الذهنية الحيوية، مثل:
-
الإدراك والانتباه: كيف نختار المعلومات التي نركز عليها من بين ملايين المثيرات حولنا.
-
الذاكرة: كيفية تخزين المعلومات واسترجاعها لاحقًا.
-
التفكير وحل المشكلات: كيف نحلل المواقف ونستنتج الحلول.
-
اتخاذ القرار: كيف نختار بين بدائل متعددة بناءً على المعلومات المتاحة.
تطبيقات المنظور المعرفي
لهذه المدرسة تطبيقات مهمة جدًا في مجالات عديدة، أبرزها:
-
التعليم: حيث ساعدت في تطوير طرق تعليم تعتمد على الفهم بدل الحفظ.
-
العلاج النفسي: خصوصًا ما يُعرف بـ العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، الذي يدمج بين تعديل الأفكار والسلوكيات لعلاج القلق والاكتئاب.
-
علم النفس الصناعي: لتحسين أداء العاملين من خلال فهم طريقة تفكيرهم واتخاذهم للقرارات.
الانتقادات
رغم أهمية المنظور المعرفي، إلا أنه يُنتقد أحيانًا لاعتماده الكبير على النماذج النظرية وصعوبة قياس بعض العمليات العقلية بدقة.
كما يُلاحظ عليه إغفاله للعوامل العاطفية والاجتماعية التي تؤثر على التفكير الإنساني.











